الصفحة 176 من 237

أهدى بيضة إلى المجوس يوم النوروز كفر، أي لأنه أعانه على كفره وإغوائه، أو تشبه بهم في إهدائه"اهـ [1] ."

وهكذا يتبين لنا بمنتهى الوضوح أن جميع العناصر المعتبرة في الإيمان عند جمهور السلف والأئمة هي نفسها العناصر المعتبرة عند الحنفية، وأنه ليس ثمة اختلاف على الأحكام والمآلات، وإنما الخلاف هنا فعلًا خلاف لفظي أو صوري، فالجميع متفق على أن الاعتقاد القلبي إذا صح وتحقق بشطريه العلمي والعملي، انعكس ذلك بالضرورة على الظاهر، فخضع اللسان بالإقرار وانقادت الجوارح بالطاعات، وأن هناك علاقة مطردة بين الباطن والظاهر، أو بين القلب والجوارح أو بين الاعتقاد والعمل.

ولكن الحنفية استدلوا ببعض الشواهد من الشرع [2] فأطلقوا لفظ الإيمان على جزء فقط من هذه العناصر -وهو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان [3] - واعتبروا أن العنصر الأخير وهو العمل بالجوارح ثمرة أو لازم أو نتيجة أو معلول أو مسبّب، لا بد أن يتحقق إذا تحقق الأصل أو الملزوم أو المقدمة أو العلة أو السبب، إلى آخر هذه التعبيرات.

بينما أدخل بقية السلف جميع هذه اللوازم تحت نفس الاسم، فأصبح الإيمان عندهم إذا أطلق يشمل الملزوم ولازمه بطريق التضمن.

يقول ابن تيمية:"ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنك، وانتفاء الظاهر دليل على انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر: هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن أو لازم لمسمى الإيمان؟"اهـ [4] .

(1) الفقه الأكبر، للإمام أبي نيفة بشرح ملا علي القاري، ص155.

(2) أهم هذه الشواهد الفصل في كثير من النصوص بين الإيمان والعمل وجعل الإيمان شرطأ لقبول العمل، مثال ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) (الكهف: 107) . وقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) (النساء: 124) . وكذلك فإن الله خاطب الإنسان المؤمن قبل وجود الأعمال، مثال ذلك قوله تعالى في مخاطبة المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) قبل نصوص الأوامر والنواهي.

(3) أو الاعتقاد بالقلب فقط واعتبار الإقرار باللسان شرطًا خارجًا عن ماهية الإيمان، أو ركنًا زائدًا واعتقاد القلب ركن أصلي.

(4) الإيمان الأوسط، ص96، 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت