فهرس الكتاب
ويقول:"إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه زالت"الشبهة العلمية"في هذه المسألة، ولم يبق إلا"نزاع لفظي"في أن موجب الإيمان الباطن: هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالًا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟"اهـ [1] .
ويقول شارح الطحاوية:"فالإمام أبو حنيفة -رضي الله عنه- نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية -الأئمة رحمهم الله- نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع، فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافًا وشرائط، كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك"اهـ [2] .
ويقول صاحب"فيض الباري":"ومن ههنا علمت أن الاختلاف في الأنظار، بمعنى أن هذا مؤدّ إلى طرف صحيح وهذا أيضًا لطرف آخر صحيح، وعند كل حصة صحيحة، والناجي عند كل واحد ناج عند الآخر، وكذلك الهالك عند واحد هالك عند الآخر"اهـ [3] .
إذا علمنا أن الخلاف على تعريف الإيمان بين الحنفية وبين بقية أهل السنة خلاف لفظي لا يتعلق بالأحكام والمآلات، فقد أصبح لزامًا علينا الآن أن نتعرض لبعض القضايا المتعلقة بموضوع تعريف الإيمان عند الحنفية وإخراجهم أعمال الجوارح عن مسماه.
* موقف الحنفية من قضية زيادة الإيمان ونقصه:
أولى هذه القضايا هي ما اشتهر عن الحنفية من نفي الزيادة والنقصان في الإيمان وقولهم إن أهله في أصله سواء.
ولقد شكك البعض في نسبة هذا الكلام إلى أبي حنيفة نفسه، إذ يقول صاحب فيض الباري:"واعلم أن نفي الزيادة والنقصان وإن اشتهر عن الإمام أبي حنيفة لكني متردد بشأنه لأني لم أجد فيه نقلًا صحيحًا صريحًا"اهـ [4] .
(1) الإيمان الأوسط، ص117.
(2) شرح العقيدة الطحاوية، ص379.
(3) فيض الباري، للكشميري الحنفي، جـ2 ص63.
(4) من هدى سورة الأنفال للدكتور محمد أمين المصري، ص104، نقلًا عن: فيض الباري، جـ1 ص59. وقد أورد ابن عبد البر في"التمهيد"رجوع أبي حنيفة عن القول بعدم دخول العمل في مسمى الإيمان ولكن إسناده منقطع.