فهرس الكتاب
ويقول في موضع آخر:"والصحابة قد ثبت عنهم أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول أئمة السنة. وكان ابن المبارك يقول: هو يتفاضل ويتزايد. ويمسك عن لفظ ينقص. وعن مالك في كونه لا ينقص روايتان"اهـ [1] .
ونحن إذا تأملنا نظرة جمهور السلف والأئمة إلى الإيمان وإدخالهم الأعمال في مسماه لتبارد إلى الذهن وللوهلة الأولى أن زيادة الإيمان ونقصه معناها عندهم الزيادة في الأعمال والنقص منها.
وينقل الدكتور المصري تصور الكشميري لهذه النقطة:"إن الخلاف بين الإمام أي حنيفة وبين السلف ناشئ من اختلاف مفهوم الإيمان، السلف أدخلوا في مفهوم الإيمان العملي، وأبو حنيفة لم يدخل الأعمال في الإيمان، ومن هنا جاء الخلاف. ومعنى الزيادة في نظره على هذا عند السلف هي الزيادة في الأعمال، فكان مؤدى هذا الفهم أن السلف، حين قالوا إن الإيمان يزيد وينقص لم يلحظوا أجزاء الإيمان، يعني لم يلحظوا جزء التصديق وإنما تكلموا عن الإيمان بمجموعه."
يقول: والسلف إنما اختلفوا في الإيمان نفسه لا في جزء منه بعد التحليل: فمن قال: إنه قول وعمل. ذهب إلى الزيادة والنقصان لأنه أدخل العمل في الإيمان، فمن عمل صالحًا فقد تم إيمانه ومن نقص فيه انتقص إيمانه لا محالة، ومن لم يدخل الأعمال في الإيمان بل جعله عبارة عن التصديق لم يلزم عليه ذلك. فأصل النزاع في إدخال الأعمال في مسمى الإيمان وإخراجها عنه، وأن الإيمان أمر أو أمور، ولذا بوّب البخاري فيما بعد: باب أمور الإيمان"اهـ [2] ."
ولكن مع مزيد من النظر والتأمل يصل المرء إلى أن السلف إنما عنوا بزيادة الإيمان ونقصه أن الإيمان نفسه قابل للتفاوت والزيادة والنقص وليس متعلقاته أو لوازمه من الأعمال أو غيرها.
وهذا هو ما وصل إليه الكشميري نفسه إذ يقول:"كنت أقيم تحقيق الاختلاف يعني: بأن من قال إنه قول وعمل ذهب إلى الزيادة والنقصان، ومن لم يدخل الأعمال في الإيمان لم يلزمه ذلك ... ثم رأيت زيادة في مقولة السلف انقلب منها المراد، ففهمت حقيقة الحال:"
(1) الفتاوى جـ13 ص50، 51.
(2) من هدي سورة الأنفال، ص107، 108.