فهرس الكتاب
وهي أنهم قالوا الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فبان منه أنهم قائلون بالزيادة والنقصان في التصديق الباطني لا في الإيمان المركب ... إن عبارتهم هذه تدل على أن الأعمال داخلة في ازدياد الإيمان ونقصانه وسبب له، وأن لها سراية وتأثيرًا في نماء التصديق والإيمان لا أنها أجزاء. فليس الإخلال عندهم بالعمل كقطع الغصن من الشجرة، بل كعدم سقيها بالماء فلا بد أن تيبس"اهـ [1] ."
وهنا نصل إلى نقطة يجب عندها أن يحرر موضع النزاع بدقة بين نظرة الإمام أبي حنيفة إلى كنه وحقيقة وماهية الإيمان وبين نظرة بقية السلف والأئمة رحمة الله عليهم أجمعين. ولعل هذه النقطة هي مفتاح القضية كلها وعليها يحمل نفي الزيادة والنقص في الإيمان عند الحنفية وعدم نفيها أحيانًا.
لقد تعرض الإمام أبو حنيفة هنا لأمر لم يتعرض له بقية السلف: فقد خاض -رحمه الله- خوضًا منطقيًا أو عقليًا مجردًا، وحلل أمر الإيمان تحليلًا ذهنيًا رياضيًا بحتًا -إذا جاز هذا التعبير- فوصل إلى أن الإيمان الذي ينجو به المرء من الكفر ويدخل به في دين الله لا يمكن إلا أن يكون معنى فرد -كالصفر مثلًا أو الأرقام أو الكميات الرياضية الأخرى- فهو إما موجود وإما معدوم، ولا موضع فيه لزيادة أو لنقص، إذ كل ما يضاف إليه بعد ذلك من لوازم أو متعلقات فهو خارج عنه وليس جزءًا من ماهيته، والقول بالزيادة والنقص في هذه المتعلقات -كالزيادة في التصديق أو اليقين أو الأعمال القلبية الباطنة أو الأعمال الظاهرة -لا مانع منه ولكنه لا شأن له بهذا الأصل أو المعنى الفرد الذي هو وحده مسمى الإيمان.
ولقد ذهب الإمام القرطبي مذهب الذين ينفون الزيادة عن أصل الإيمان فقال -رحمه الله-:"وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال، والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد وتصديق واحد بشيء ما إنما هو معنى فرد، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ذاته"اهـ [2] .
ويؤكد الشيخ زين الدين قاسم الحنفي على فكرة الحنفية، من أن الإيمان معنى فرد لا يتفاضل بذاته بل بمتعلقاته فيقول:"ألا ترى أن قرص الشمس لا يتفاوت بتفاوت الحرارة مثلًا والنور، وكذلك النار فإنه جوهر مضيء محرق، وذلك المعنى لا يتفاوت بتفاوت أجزاء"
(1) من هدي سورة الأنفال، ص108، 109.
(2) السابق، ص100، 101.