الصفحة 181 من 237

النار، وكذلك الذهب القليل مع الذهب الكثير لا يتفاوت من حيث الذهبية، وكذلك شجر القرع لا يزيد على شجر الدلب من حيث الشجرية، وكذلك الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يتفاضلون بحسب النبوة والملكية، وكذلك آيات القرآن لا تتفاضل من حيث الذكر، وإن جاز التفاوت عندنا من حيث المذكور. اهـ [1] .

ويقول الشيخ المعملي:"وبالجملة فلا أرى عاقلًا لقوله يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلا على أحد أوجه، الأول: أن يكون يخص لفظ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتد بما دونه فهو بمنزلة النصاب، فكما أن نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص، وإن تفاوتوا في الغني بالذهب، فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإن تفاوت الخلق في التصديق. أو قل: إنه بمنزلة زكاة الفطرة، وهي صاع لا يزيد ولا ينقص وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائة ألفًا أو أكثر من ذلك"اهـ [2] .

فالحنفية إذن لا ينفون تفاوت الناس في الدرجات الإيمانية، ولا تفاوت الحالة الإيمانية للشخص نفسه، ولكنهم يرجعون كل ذلك إلى التفاضل والتفاوت في مقدمات الإيمان ودلائله، أو في متعلقاته وثمراته ونتائجه، أو في دوامه واستحضاره وبعده عن الغفلات، وتلك الأمور كلها خارجة عن حقيقة الإيمان وماهيته والتي هي -عندهم- كما ذكرنا معنى ذهني مجرد: إما موجود فينجو به صاحبه من الكفر ويدخل في دين الله، وإما معدوم فصاحبه لا نجاة له إلا به.

يقول صاحب"فيض الباري":"وأثبت شيء في هذا الباب عقيدة الطحاوي، فإنه كتب في أوله أنه يكتب فيه عقائد الإمام أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- وأبي يوسف -رحمه الله تعالى- وأحسن شروحه شرح القونوي، وهو حنفي المذهب تلميذ ابن كثير، ويستفاد منه أن الإمام رحمه الله تعالى إنما نفى الزيادة والنقصان في مرتبة محفوظة كما سيأتي ولا ينفي مطلقًا .."

وحاصل الخلاف على هذا التقدير أن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- تعرض لأمر لم يتعرض له السلف، فإنه تكلم في مرتبة محفوظة وهي التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعدها إلا الكفر ...

(1) هامش المسايرة، ص330 - 332.

(2) التنكيل للعلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، جـ2 ص364 - 373.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت