الصفحة 183 من 237

في المعنى بين القائلين بقبوله الزيادة والنقصان والنافين لذلك، إذ يرجع النزاع إلى أن الشدة والقوة التي اتفقنا على ثبوت التفاوت بها زيادة ونقصانًا: هل هي داخلة في مقومات حقيقة اليقين أو خارجة عنها؟

فقد اتفقنا -معشر المثبتين لتفاوت الإيمان والنافين له- على ثبوت التفاوت في الإيمان بأمر معين، والخلاف في خصوص نسبته -أي نسبة ذلك الأمر المعين إلى تلك الماهية بدخوله في مقوماتها أو خروجه عنها- لا عبرة به، لأنه ليس خلافًا في نفس التفاوت.

وإن كان زيادة إشراقه في القلب غير زيادة القوة فالخلاف ثابت"اهـ [1] ."

وهكذا ترى أن الخلاف بين الحنفية وبين غيرهم من أهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه حتى وإن ثبت، فهو خلاف لا ينبني عليه أي خلاف على الأحكام والمآلات، فالحنفية يصرفون أي تفاوت أو تفاضل إلى ما هو خارج عن أصل الإيمان، وينظرون إلى هذا الأصل نظرة ذهنية مجردة فلا يتصورونه إلا معنى فردًا لا تفاوت فيه، وبقية السلف والأئمة نظروا إلى الأمر نظرة عملية واقعية، اعتبروا فيها جهل الإنسان بحقيقة ذاته وعجزه عن إدراك كنه الأشياء وحقائقها إلا بالقدر الذي بينه لنا الله ورسوله، فالتزموا بهذا الجمل الثابتة بالقرآن والسنة ودعوا إليها وجاهدوا عليها.

يقول الدكتور محمد أمين المصري -رحمه الله:"إن الإمام أبا حنيفة تعرض لأمر لم يتعرض له السلف، والذي يبدو لنا جليًا أن عدم التعرض له هو الأولى، وأن يسعنا ما وسع السلف هو الأولى، ذلك لأن الأمر فتح لبحوث نظرية ومجالات كلامية لا تأتي بطائل ولكنها تصرف المؤمنين عن واجبهم الأول، وهو العمل والجهاد وإصلاح مجتمعهم وبناء أمتهم وحمل دعوتهم إلى الناس جميعًا."

ثم إن هذا البحث يفرق الجماعة ويكسر الوحدة، ولذلك كان التزام ما فعله السلف والاكتفاء به هو الأولى، ثم إن هذا البحث النظري ليس مما تدركه العقول إدراكًا تصل فيه إلى كنهه، ويبدو لي جليًا أنه لا يخلو من أخطاء مهما تعمق الباحث، ذلك أن حقيقة الإنسان مجهولة" [2] ."

(1) المسايرة بشرحه المسمى المسامرة، ص329.

(2) من هدي سورة الأنفال، للدكتور محمد أمين المصري رحمه الله تعالى، ص110، 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت