الصفحة 201 من 237

لم تدل الآية على أن العلم الذي في قلوبهم بأن محمدًا رسول الله صلى يرتفع لا يبقى منه شيء، والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، بل هو تصديق القلب، وعمل القلب.

-نصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرسل، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقًا، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: 14) . وكما قال موسى لفرعون: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ) (الإسراء: 102) . ومع هذا لم يكن مؤمنًا. ولما قال فرعون: (آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) (يونس: 90) قال الله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: 91) . فوصفه بالمعصية ولم يصفه بعدم العلم في الباطن. وكما قال عن إبليس: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) (ص:73، 74) فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضته الأمر، لم يصفه بعدم العلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع في مثل قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف: 87) .

-مخالفة قولهم [1] للحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى نفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه.

وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض كأموال ورياسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق، ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: (أَنُؤْمِنُ

(1) وهو أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت