الصفحة 202 من 237

لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء: 111) ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك.

ونحن نرى والناس كلهم يرون خلقًا من الكفار، يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان، إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكونوا لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق ودينهم باطل. وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله، لظنه أن ذلك يجلب له منفعة ويدفع عنه مضرة.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (المائدة: 51 - 53) .

والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى صادقون. وأشهر النقول في ذلك أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله، إن لي موالي من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني رجل أخاف الدوائر، ولا أبرأ من ولاية يهود. فنزلت هذه الآية.

-فنعلم أنه قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن ما في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته، فإذا قال القائل: القدرة التامة بدون الإرادة مستلزمة لوجود المراد المقدور، موجبة لحصول المقدور. لم يكن مصيبًا، بل لا بد من الإرادة، فكذلك قول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان، وإنه موجب لأعمال القلب، فإذا انتفت دلّ على انتفاء العلم، فإن قوله بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده، بدون وجود إرادة منه سبحانه، وهو شبيه بقول المتفلسفة أن سعادة النفس في مجرد أن تعلم الحقائق، ولم يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا بها. وفي الجملة فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت