فهرس الكتاب
كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلا بد أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده.
قال الحافظ:"ومقتضى قوله يجبر، أنه إذا لم يلتزم يجري عليه حكم المرتد، وبه صرح القفال، واستدل بحديث الباب وادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهي غفلة عظيمة، فإن ذلك ثابت في الصحيحين في كتاب الإيمان منهما كما قدمنا الإشارة إلى ذلك. انتهى"اهـ [1] .
فالقضية إذن هي قضية تحقق أصل الإيمان في القلب، ثم التعبير عن تحقق هذا الأصل باللسان. فالشهادة إذن ليست حجابًا من الكلمات التي يتمتم بها قائلها فترفع عنه السيف في الدنيا ثم تستره من العذاب في الآخرة، دون أن يكون لها أية حقيقة في قلبه وفي ظاهر أمره، من العلم والمعرفة والتصديق بالحق على ما هو عليه فعلًا، ثم الخضوع والانقياد والاستسلام له، ومحبته والالتزام به وتعظيمه ولوازم ذلك كله، من كراهية الباطل والانخلاع عنه والتبرئ منه، والالتزام بشريعة الرسول، والدخول في طاعته ومحبته وتوقيره صلى الله عليه وسلم.
العنصر الثالث: العمل بالجوارح:
تدخل أعمال الجوارح عند السلف في مسمى الإيمان دخولًا أوليًا وذلك عند إطلاف لفظ الإيمان أو تجريده. وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، وإنما المقصود أن الإسم إذا أطلق في الكتاب والسنة أو ذكر مجردًا دخلت فيه الأعمال بالضرورة [2] . وقد حكى غير واحد الإجماع على ذلك [3] .
يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في كتابه"الأم"في باب النية في الصلاة:"وكان الإجاع من الصحابة والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر"اهـ [4] .
وروى أبو عمر الطلمنكي بإسناده المعروف عن موسى بن هارون الحمال قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، لا شك أن ذلك كما وصفنا،
(1) نيل الأوطار، للشوكاني، جـ8 ص9، 10 باب ما يصير به الكافر مسلمًا.
(2) الإيمان، لابن تيمية، ص111، 112.
(3) الإيمان، لابن تيمية، ص292.
(4) الإيمان، لابن تيمية، ص197.