فهرس الكتاب
وإنما عقلنا هذه بالروايات الصحيحة والآثار العامة المحكمة، وآحاد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين، وهلمّ جرّا على ذلك، وكذلك بعد التابعين من أهل العلم، على شيء واحد لا يختلفون فيه، وكذلك في عهد الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، ومالك بن أنس بالحجاز، ومعمر باليمن، على ما فسّرنا وبيّنا، أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص [1] .
ويقول أبو عمر بن عبد البر في التمهيد:"وأجمع أهل الفقه والحديث أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان ..."
وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر، منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداو بن علي، والطبري، ومن سلك سبيلهم، فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، مع الإخلاص بالنية الصادقة. قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة وناقلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي"اهـ [2] ."
ويقول البدر العيني:"والفرقة الرابعة قالوا: إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح، وهم أصحاب الحديث، ومالك والشافعي، وأحمد والأوزاعي .. وما ذهب إليه السلف وأهل الأثر أن الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان"اهـ [3] .
ويقول صاحب معارج القبول:"أعلم يا أخي -وفقني الله وإياك والمسملمين- بأن الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ورضيه لأهل سمواته وأرضه، وأمر ألا يعبد إلا به، ولا يقبل من أحد سواه، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه، ولا أحسن دينًا ممن التزمه واتبعه هو: قول أي بالقلب واللسان، وعمل أي: بالقلب واللسان والجوارح."
فهذه أربعة أشياء جامعة لأمور دين الإسلام:
الأول: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه ...
(1) الإيمان، لابن تيمية، ص292، 293.
(2) الإيمان، لابن تيمية، ص313، 314.
(3) عمدة القاري، جـ 1 ص103.