الصفحة 55 من 237

وأموالهم" [1] . وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب، ولكنه من أهل الوعيد" [2] .

"فكل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفى تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت تارة باعتبار ثبوت مبدئه."

فمن كان معه أول الإيمان، فهذا يصح منه الحسنات، لأن معه إقراره في الباطن بوجوب ما أوجبه الرسول وتحريم ما حرمه، وهذا سبب الصحة. وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور. ومن فعل بعضًا وترك بعضًا، فيثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه، فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق الحمد والثناء دون الذم والعقاب.

ومن نفى عنه الرسول الإيمان، فنفى الإيمان في هذا الحكم، لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد، والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب ويدفع العقاب، ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفى الإيمان عن أصحاب الذنوب فإنما هو في خطاب الوعيد والذم، لا في خطاب الأمر والنهي، ولا في أحكام الدنيا" [3] ."

"فالمرء قد يكون مسلمًا يعبد الله كما أمره ولا يعبد غيره ويخافه ويرجوه، ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله ولا يخاف غيره، وأن لا يتوكل إلا على الله، وهذه كلها من الإيمان الواجب."

فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا، وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق.

ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب، وهؤلاء ليسوا فساقًا تاركين كل فريضة ظاهرة ولا مرتكبين محرمًا ظاهرًا، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علمًا وعملًا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين،

(1) حسن، رواه أحمد في المسند (6/ 21) . قاله البغوي في شرح السنة (1/ 29) .

(2) الإيمان، لابن تيمية، ص243، 244.

(3) الإيمان، لابن تيمية، ص403 - 405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت