الصفحة 71 من 237

والواقع أن هذا النوع الأخير من الكفر يدخل صاحبه في النوعين السابقين من الكفر، لأن من يعترف لله -سبحانه- بأنه الخالق لكل شيء والمدبر لكل شيء، ويعترف له بجميع صفات الجلال والكمال، يقتضيه ذلك أن يعترف له وحده دون غيره بالألوهية المطلقة واستحقاق العبودية له دون سواه، فإن أنكر ذلك وعبد غيره، أو عبد معه غيره، فإن اعترافه لله بالربوبية باطل ولا قيمة له [1] .

يقول شارح الطحاوية:"وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا"اهـ [2] .

ويقول الصنعاني:"فمن شأن من أقر لله -تعالى- بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل"اهـ [3] .

ولذا كان توحيد الله في عبادته موضع الامتحان للعباد في هذه الحياة الدنيا. فأكثر ارتداد الناس وكفرهم يرجع إلى هذا النوع. وإنما دخل الكفر على معظم الكافرين بسبب إنكارهم استحقاق الباري بأن يفرد في توجيه العبادة إليه، سواء أكان هذا الإنكار بالقلب وهو الاعتقاد، أو بما يدل عليه من القول والفعل، وبسبب إقرارهم باستحقاق غيره لهذا الأمر سواء أكان هذا الإقرار تصديقًا بالقلب واعتقادًا، أم كان قولًا أو فعلًا يدل عليه [4] .

ونقض التوحيد في الألوهية والعبادة يتفرع عن ثلاثة أصول [5] :

الأصل الأول: عدم إفراد الله بالحاكمية والتشريع:

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50) :"ينكر -تعالى- على مَن خرج عن حكم الله -تعالى- المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل"

(1) الإيمان، محمد نعيم ياسين، ص102.

(2) شرح العقيدة الطحاوية، ص28 ط. دار البيان.

(3) تطهير الاعتقاد، ص9.

(4) الإيمان، محمد نعيم ياسين، ص102.

(5) ليس الغرض هنا إيراد أو حصر أو تحقيق صور أو مناطات الكفر الأكبر المُخرج من الملة؛ وإنما الغرض بيان أن نواقض التوحيد في العبادة ترجع واقعًا إلى أحد هذه الأصول الثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت