الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم"الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بالكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير"اهـ [1] ."
ويقول ابن كثير: "فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى شريعة تحاكم إلى"الياسق"وقدمها عليه! من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين" اهـ [2] .
ويقول الشيخ أحمد شاكر:"هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافرو العداوة، هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقي السامي ... وقد ربّى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة، واسعة المعرفة في هذا اللون من الدين الجديد، الذين نسخوا به شريعتهم، ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوربة، فصار للمسلمين من أئمة الكفر ما لم يبتل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور ... وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعًا لها ولا طاقة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به"اهـ [3] .
ويقول:"إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه"اهـ [4] .
ويقول -رحمه الله-:"ما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، وإصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله -تعالى- وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه"اهـ [5] .
ومما سبق ومن غيره يتبين لنا أن صنفين من الناس وقعا في الكفر الذي لا شك فيه [6] .
الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله. وهؤلاء هم الذين وضعوا القوانين المخالفة لشرع الله، حيث يلزمون بها العباد. والإجماع على كفرهم لا شك فيه.
الثاني: الذين أطاعوا المبدئين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل. ويكون ذلك بإحدى الحالات الآتية [7] :
(1) رفض حكم الله بالتحريم، وهو الاستحلال، رجوعا إلى شريعة أخرى أو من غير رجوع.
(2) رفض حكم الله بالإيجاب، وهو الإباء من قبول الفرائض، رجوعًا إلى شريعة أخرى أو من غير رجوع.
(3) التحاكم إلى شريعة أخرى غير شريعة الله، وإلى حكم آخر غير الله ورسوله.
(1) تفسير ابن كثير، جـ2 ص67.
(2) البداية والنهاية، جـ13 ص19.
(3) عمدة التفسير، جـ2 ص214 - 215.
(4) عمدة التفسير، جـ2 ص172 - 174.
(5) راجع: تفسير الطبري، جـ 2 ص348 تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.
(6) الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية، لعمر الأشقر، ص179 وبعدها.
(7) حد الإسلام، للشاذلي، ص437.