الصفحة 40 من 83

وقال ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) عن هذه الشروط بعد أن ذكرها:"وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها. وهي أصناف؛ الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرضَ عمر -رضي الله عنه- والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم .." [1] اهـ.

فهذه الشروط كما ذكر ابن تيمية هي أمر مجمع عليه بين الأئمة وبين فقهائنا الأعلام، ولا يُعرف لها مخالف إلا في هذا العصر من بعض الناس.

وهناك موقف لطيف نختم به، وهذا الموقف على طرافته وعلى بساطته إلا أنه مؤشر على المقصود، وهذه القصة ذكرها الدارقطني في سننه بسند مرفوع [2] ، وذكرها كذلك محمد بن هارون الرُّوياني في مسنده (مسند الروياني) [3] من حديث عائذ بن عمر المدني بسند حسن، وكذلك هذه القصة مذكورة في فوائد أبي يعلى من هذا الطريق؛ طريق عائذ بن عمرو: (أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا:"هَذَا أَبُو سُفْيَانَ وَعَائِذُ بْنُ عَمْرٍو"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ، الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى".) [4]

والصحابة -رضي الله عنه- لم يفعلوا أمرًا كبيرَا وإنما قدموا اسم الكافر وقتها سفيان على المسلم، ومع ذلك لم يقرها النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يمررها، رغم أن الموقف بسيط في أذهاننا لا يستحق كل هذا، ولكن ميزان الشرع يختلف عن ميزان عقولنا، فقال النبي عليه -الصلاة والسلام-: (هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ، الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) .

الذي يقرأ هذه الجملة الأخيرة يظن أن الأمر جلل، ويظن أن مصيبة حصلت، ويظن أن عقيدة الصحابة في الولاء والبراء قد أصابها انخرام، والأمر أبسط من ذلك؛ هم فقط قدموا اسم الكافر

(1) كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية 1\ 365.

(2) سنن الدارقطني (3620)

(3) مسند الروياني حديث رقم (783) .

(4) السنن الكبرى للبيهقي (12155) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت