فهذا استقراء من الشيخ فيقول أن المسألة الثانية التي احتلت مكانة كبيرة من كتاب الله عرضًا وتقريرًا وتفصيلًا وردًا على الشبهات والشهوات هي مسألة الموالاة والمعاداة؛ فتأتي مباشرة في المرتبة الثانية بعد تقرير الوحدانية لله -سبحانه وتعالى-. فهي مسألة كبرى.
والعجب أن هذه المسألة التي قلنا عنها هذا نجده اليوم في خبر كان، مسألة مهجورة إلا من رحم الله، فلا يتكلم عنها إلا قليل من قليل من قليل، وأقل منه الذي يعمل بها، مع أن هذه القضية هي أصل الأصول. فهذه المسألة هي مسألة مهجورة في هذا العصر إلا من رحم الله، فهي مهجورة نظريًا وأشدّ منها تطبيقًا عمليًا وممارسةً في واقع الناس.
فلماذا كان اهتمام القرآن بهذه المسألة على هذه الدرجة؟
نقول على التحقيق أن قضية الموالاة والمعاداة هي الترجمة العملية للتوحيد والإيمان، وديننا دين يقوم على العمل، وما العلم إلا للعمل، والانشغال بالوسيلة عن الغاية ضلال مبين، فالموالاة والمعاداة هي الترجمة العملية الصادقة للإيمان والتوحيد، فالمسألة ليست دعاوى وليست أقوالًا وليست خطبًا رنّانة، المسألة {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [1] ، كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- كما تقول عائشة -رضي الله عنه- في الصحيح (خلقه القرآن) ، كان قرآنًا يمشي بين الناس.
وللأسف أن مصطلح التوحيد ومصطلح العقيدة صارت معنى مبهمًا، فصارت العقيدة مسألة غير مُحددّة الملامح، كلمة مبهمة لا تعرف لها صورة ظاهرة تحكم بها، وصارت عبارة عن مجموعة من الجمل المنمّقة والخطب الرنانة، وصارت عبارة عن فصاحة اللسان، وعذوبة البيان، وسلاسة التعبير، إلى غير هذه الأمور التي نراها، فترى بلاغة منمقة وفصاحة عجيبة، بل ربما لا تجد مثل أحدهم في فصاحته وفي قوة تعبيره وفي بيانه .. إلخ. وتسمع كلامًا أجمل ما يكون عن العقيدة وعن التوحيد وعن الإيمان وعن آثار تلك العقيدة في قلوب أصحابها وأنها أقوى من ألف مهند، وأنها كذا وكذا، فترتج وتهتز المنابر.
وانظر إلى واقع المتكلم والمتحدث، وابحث مليًا عن آثار تلك العقيدة في سلوكه وفي تصرفاته، ترى العجب العجاب! ترى التناقض الصارخ، ترى الانفصام النكد الذي بُلينا به في واقعنا، فأين تلك العقيدة التي يتحدث عنها وأين أثرها في واقعه ومن سلوكه ومن تصرفاته العملية والتي في الأصل في التدليل على صحة الإيمان وعلى صحة هذه العقيدة؟
(1) سورة الزخرف الآية 43.