الصفحة 44 من 83

فترى موالاة واضحة للكفار على سائر أصنافهم أصليين كانوا أو مرتدين، ترى ركونًا واضحًا للظالمين، ترى مشاركة للطغاة المتجبرين الذي أقل أحوالهم -عندهم- أنهم ظلمة فاسقون، فترى مولاة لا يختلف فيها اثنان، وترى مشاركة لهم في موائدهم وفي احتفالاتهم وفي أعيادهم وفي برلماناتهم، بل ترى في أحيانًا كثيرة مشاركة لهم في تقرير قوانينهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فأين العقيدة من أفعال هذا الذي يدعيها؟ وهل العقيدة قول ودندنة؟ هذا لا نعرفه في ديننا الذي يقوم أصلًا على العمل، والدعاوى إن لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر.

نقطة أخرى؛ كثير من الملتزمين -إلا من رحم ربه- في بداية التزامه ينشغل بأمور تأتي متأخرة عن قضية التوحيد والعقيدة وعن تحقيق معنى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله والذي هو أول واجب، بل قدم الله هذا الواجب على الإيمان به فقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [1] .

فكثير من الملتزمين يبحث عن مسالك أخرى الواجب أن تأتي متأخرة بعض موضوع التوحيد والكفر بالطاغوت، فلا يبدأ بالأهم، ونحن نقلنا كلام أهل العلم في وجوب البدء بالتوحيد، والبدء بالأهم فالمهم. فيبدأ ينصرف إلى الدعوة، ويبذل في ذلك جهدًا كبيرًا جدًا، والشيطان يمد له، لأن الشيطان يريد أن يصده عن فرض الفروض وأصل الأصول وأقوى فروض الأعيان، وابن القيم جعل من أساليب الشيطان صرف الإنسان من الفاضل إلى المفضول، فما بالك عن صرف الإنسان عن أصل الأصول وعن أفرض الفروض العينية، فيظن بذلك أنه يحسن صنعًا.

وبعضهم يتجه إلى طلب العلم؛ طلبًا نظريًا بحتًا، هذا أولًا، وطلبًا مبعّضًا؛ فيدرس مفاهيم العقيدة كما يحب، يدرس المفاهيم التي لا تسبب له أي تعب ولا أي نصب، كما قال أحدهم أن هذه المفاهيم تسبب له مشاكل فلا ندرسها ولا نتعرض لها!

فأصل الأصول يُعرض عنه لأنه يسبب مشاكل، لأنه ملة إبراهيم، ولأنه يسبب البلاء والذي هو المعيار الصادق لتقييم الناس ولتقييم التمسك بهذا الدين، معيار لا يحابي أحدًا ولا يجامل، فينشغل بالتخريج والتحقيق والتصنيف وهذه الأمور، أما أصل الأصول فيُعرض عنه ولا يتعرّض له.

ومن ثمّ يأتي البون الشاسع فلا يعرف هذه المسائل التي هي أوجب الفرائض وإذا عرضت عليه يشمئز قلبه وينفر منه ويحسب أنها من دين الخوارج والتكفيريين وكذا، فلا يقبلها فضلًا عن أن

(1) سورة البقرة الآية 256

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت