الصفحة 46 من 83

أن ينقسم الناس في دينه إلى قسمين، قسم يؤمن بهذا الدين وقسم يكفر به، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [1] .

ثم بانقسام الخلق إلى مؤمن وكافر انعقدت العداوة بينهما، كما قال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [2] ، والخصمان هما فريق أهل الإيمان وفريق أهل الكفر والإلحاد.

بهذا الانقسام وبتلك العداوة بدأ الصراع بين الحق والباطل، يَبْتلي الله -سبحانه وتعالى- كل فريق بالفريق الآخر؛ فيبتلي المؤمنين بالكفار، محنةً ومنحةً لهم ورفعةً لدرجاتهم واختبارًا لمدى تمسكهم وثباتهم على هذا الطريق، كذلك يبتلي الكُفّار بالمؤمنين بالمؤمنين؛ محاربةً، وجهادًا، ومنابذةً في سبيل الله، وأخذًا على أيديهم، وسوقًا لمن دخل منهم في دين الله إلى الجنة. فالابتلاء حاصل من الطرفين، قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [3] ، وكما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [4] ، وفي حديث عياض بن حمار -رضي الله عنه- الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن الله تعالى لنبيه قال لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) [5] ، فالابتلاء كما قلنا حاصل من الطرفين. الله -عز وجل- يسلط الكفار على المؤمنين تسليطًا قدريًا؛ فيعادونهم كما أخبر عن ذلك في آياته المحكمات، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [6] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [7] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [8] ، والجعل الذي جعله الله تعالى هنا هو جعل قدري.

وصور معاداة الكافرين للمؤمنين ثابتة لا تتغير على مدار تاريخ الأنبياء والمرسلين، نفس الصور فالباطل لا يأتي بجديد، قال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [9] ، نفس الكلام الذي كان يقال للأنبياء من قبل محمد هو نفس الكلام الذي قيل لمحمد، صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين، وهو نفس الكلام الذي يقال لأتباع الأنبياء والمرسلين.

(1) سورة التغابن الآية 2.

(2) سورة الحج الآية 20.

(3) سورة محمد الآية 4

(4) سورة محمد الآية 31.

(5) صحيح مسلم (2865) .

(6) سورة الفرقان الآية 31

(7) سورة الأنعام الآية 143

(8) سورة الأنعام الآية 123.

(9) سورة فصلت الآية 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت