الصفحة 47 من 83

وقال تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [1] ، فقلوب أهل الكفر والإلحاد كلها متشابهة، وكذلك أقوالهم وأفعالهم متشابهة، فالكفر ملة واحدة في القديم والحديث.

وهذه المعاداة من الكافرين للمؤمنين ليس لها إلا سبب واحد وهو العقيدة، فالذي فرّق بين النّاس هو الدين كما في الحديث الصحيح (وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) [2] ؛ فببعثته -صلى الله عليه وسلم- افترق الناس، ففرّق -عليه الصلاة والسلام- بين المرء وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرء وزوجه، وهذا الفرق هو الفرق الديني والرابطة العقدية، قال تعالى مخبرًا ومبينًا هذه الحقيقة بصورة واضحة {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [3] فالآية مصرّحة موضّحة أن السبب الحقيقي لتلك العداوة إنّما هو الإيمان بالله من المؤمنين والكفر بالله من الكافرين.

وقال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [4] ، فالذي يغيظهم والذي يحقدون بسببه على المؤمنين إنما هو الإيمان، ولذلك هم يتمنّون أن يكفر المسلمون ويرتدّوا على أعقابهم كما ارتدّوا هم، فهم يحاربوك لأجل هذا الدين الذي بين جنبيك ولأجل هذه العقيدة التي عندك، وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [5] ، فهو لا يستطيع الإيمان ولا يستطيع الإسلام ولا يستطيع التمسك بجملة الأوامر والنواهي المنزلة من عند العزيز الديّان، ومن ثم فهو يحقد عليك ويحسدك ويتمنّى أن تكفر كما كفر.

فالكافر يعادي المؤمن لإيمانه، وكلما ازداد المؤمن إيمانًا ازداد نصيبه من عداوة الكافرين، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) [6] .

وهذه المعاداة من الكافرين للمؤمنين لا تنقطع بالكليّة طالما المؤمنون على إيمانهم ولو مع التقصير، وانتبه لهذه النقطة؛ لأن هدف الكفار من هذه المعاداة لا ينتهي عند حد التقصير، ولا ينتهي عند حد الذنوب، ولا ينتهي عند حد التراخي الجزئي عن الالتزام بهذا الدين، وإنما ينتهي

(1) سورة البقرة الآية 119.

(2) صحيح البخاري (7281) .

(3) سورة البروج الآية 8.

(4) سورة النساء الآية 89

(5) سور البقرة الآية 109

(6) السنن الكبرى للنسائي (7440) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت