عند حد الردة والانسلاخ التام من هذا الدين، كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [1] ، فهم لا يرضون عنك إلّا بالردّة والكفر الصراح.
ويقول تعالى في آية أخرى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [2] ، فهدفهم النهائي لقتالك هو ارتدادك عن هذا الدين، فأنت وإن قصّرت في الالتزام بالإسلام إرضاءً لهم أو دفعًا لمفسدة أو جلبًا لمصلحة كما تتوهم، فهم لن يرضوا عنك أيضًا، ولن يرضوا عنك إلّا بالانسلاخ الكامل عن هذا الدين بنص قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [3]
فعلى العاقل أن يتدبر في هذه الآية وأن يعلم بل يتيقن أن ما يقدمه لهم من تنازلات محاولًا بذلك استرضاءهم لن يقدم ولن يؤخر شيئًا في العداوة، فالعداوة قائمة إلّا إذا ارتدّ عن دينه.
إذًا الهدف من تلك المعاداة هو انتزاع هذا الدين من قلبك ومن عقلك، وإن ما تقدمه لهم من تنازلات وما ترتكبه من تقصير لن يقدم ولن يؤخر شيئًا في نزع هذه العداوة؛ لأن تلك العداوة لها هدف نهائي يسعى إليه أصحابها وهو الكفر والانسلاخ بالكلية من هذا الدين.
وفي المقابل؛ كما سلّط الله الكافرين على المؤمنين تسليطًا قدريًا، كذلك أمر الله المؤمنين بمعاداة ومحاربة الكافرين أمرًا شرعيًا، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [4] ، فالله -عز وجل- أمر المؤمنين بدفع الكفار والمشركين بكافة صور الدفع، التي من أعظمها وأظهرها الجهاد في سبيل الله، والذي يعتبر هو الصورة الظاهرة لدفع الكفار والمشركين.
الولاء والبراء طبيعة المنهج الإسلامي:
قلنا من قبل أن الله -سبحانه وتعالى- صَبَغ هذا الدين بصبغة تجعل هذا الدين لا يقبل التميع والانصهار مع غيره من المناهج والأديان الأخرى {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [5] ، وجعل تعالى المُسلمَ الذي يلتزم بهذا الدين يأتي بعقيدة الولاء والبراء بصورة طبيعية بدهيّة،
(1) سورة النساء الآية 89.
(2) سورة البقرة الآية 217
(3) سورة البقرة الآية 217
(4) سورة الحج الآية 40
(5) سورة البقرة الآية 138