فهي عقيدة تتلاءم تمامًا مع المنهج الرباني، بل تُعتبر الترجمة العملية للتمسك بهذا الدين، فالإسلام يَأبَى أن يَلتقي مع غيره من المناهج ولو في جزئية من الجزئيات؛ لأن له تصورًا مستقلًا في سائر مناحي الحياة، تصورًا كاملًا له خصائص متميزة.
وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع الأوضاع الجاهلية السائدة والمنتشرة في مجتمع من المجتمعات أو في زمن من الأزمان، وإنما شرع الله -سبحانه وتعالى- لنا هذا الدين ليكون حاكمًا لا محكومًا، وليكون مُهيمِنًا لا مُهَيْمَنًا عليه.
والله -عز وجل- جعل القسمة ثنائية لا تحتمل التبعيض، لو كانت القسمة تحتمل التبعيض لقلنا أنه من الممكن أن يلتقي الإسلام مع غيرها في جزئية أو في جزئيات متعددة، قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [1] ؛ فحصر المناهج في منهجين؛ حق وباطل، الحق هو دين الله الخاتم: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [2] ، وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [3] . فينبني على ذلك أن كل دين غير الإسلام هو في قسم الباطل.
وليس من الممكن أن يلتقي الحق مع الباطل ولو في جزئية من الجزئيات، وهذا أمر بدهي عقليّ، بل هو أمر مقرر في الفطر والنفوس السليمة، ومن ثمّ فالإسلام بطبيعته لا يقبل الالتقاء مع غيره من المناهج، أيًا كانت تلك المناهج، ولو كان ذلك في جزئية واحدة من الجزئيات.
فبلغة العصر نقول أنّ الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يظهر إلا بصورته الكاملة، وليس هنالك من وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلي، وإنما لابد أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [4] .
ويقول تعالى مبينًا أن هذا التبعيض أمر مرفوض، وأن هذا التبعيض -على التحقيق- يُصنف من ضمن الجاهلية، يقول تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [5] .
فالإسلام لا يقبل أن تأخذ بعضه وتترك بعضه، حتى وإن كان الجزء المأخوذ هو القسم الأكبر، وحتى إن كان الجزء المتروك 1% من الإسلام، فالإسلام لا يعترف بتلك القسمة، وإنّما تلك
(1) سورة يونس الآية 32
(2) سورة آل عمران الآية 85
(3) سورة آل عمران الآية 19
(4) سورة الأنفال الآية 39
(5) سورة المائدة الآية 49