الصفحة 50 من 83

القسمة هي-على التحقيق- من دين الجاهلية، وإنّما الصورة الصحيحة التي يعترف بها الإسلام هي أن يكون الدين كله لله.

بناءً على ذلك نجد أن الشريعة الإسلامية حرصت أشدّ الحرص على غرس روح التميز والمفاصلة في نفوس أتباعها، وهذا الحرص تمثل لنا في جملة من الأمور، نستطيع أن نُرجعها إلى ثلاثة أمور:

أولًا: غرس روح الاستعلاء؛ فالشريعة الإسلامية تغرس في نفوس أتباعها أنهم الأعلون، وأنهم أصحاب العزة والرفعة في الدنيا والآخرة، وإن كانوا في موازين الناس ظاهريًا في محن تتوالى، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [1] ، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [2] ، وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [3] .

وغير ذلك الآيات والأحاديث التي تغرس في نفس المؤمن روح الاستعلاء الإيماني، فالمؤمن يستعلي على الناس؛ لا كِبرًا منه، ولا استخفافًا منه لهم، وإنما هو استعلاء الإيمان، الاستعلاء بهذا الدين الذي أكرمه الله به، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [4] ؛ وهذه الخيرية ليس لها من مصدر إلا دين الله -سبحانه وتعالى-.

ثانيًا: وسيلة أخرى غرست بها الشريعة روح التميز هي النهي عن التشبه بالكافرين؛ هناك جملة من النصوص تنهى المسلمين عن التشبه بغير المسلم من أصناف الكافرين على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم.

كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟) [5] .

فالحديث ينهى بمضمونه عن اتباع سنن اليهود والنصارى وعن التشبه بهم، وقد بيّن أهل العلم أن هذا النهي يشمل التشبه بهم في العقائد وفي العبادات وفي الأحكام والعادات والسلوك والأعياد، كل هذه الميادين ينهى الله -سبحانه وتعالى- أن يتشبه فيها المسلم بغير المسلم سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا أو غيره من أصناف الكفرة والمشركين.

(1) سورة آل عمران الآية 139.

(2) سورة المنافقون الآية 8.

(3) سورة آل عمرن 110.

(4) سورة آل عمرن 110.

(5) صحيح البخاري (3456) ، صحيح مسلم (2669) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت