الصفحة 51 من 83

وفي الحديث الصحيح والذي أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وصححه الألباني، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه؛ حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) [1] .

وهناك أمور كثيرة نهت فيها الشريعة الإسلامية عنها التشبه بالكافرين، منها مثلًا حلق اللحية، والحديث أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة في صحيح مسلم [2] ، ومنها عدم الصلاة بالنعال فأُمرنا بالصلاة بالنعال مخالفًا لليهود، ومنها الأمر بالمحافظة على أكلة السَّحر، إلى غير ذلك من الأمور التي ركّزت فيها الشريعة على مخالفة المشركين وعدم التشبه بهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا ومعلّلًا الأمر بمخالفة المشركين والنهي عن مشابهتهم، يقول -رحمه الله- في (اقتضاء الصراط المستقيم) :

"أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة ... فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان." [3] اهـ.

وانتبه لهذا الربط البديع بين المشابهة في الظاهر وما تؤدي إليه من الموالاة والقلبية، وهذا أمر ملاحظ ومشهود، فالإنسان لو أصبح يقلد إنسانًا آخرًا وتشبّه به في أقواله وفي أفعاله أو في ملبسه وفي زيه وفي عاداته، فهذه المشابهة لن تقف عند حد الظاهر، وإنما هي وسيلة تؤدي إلى المشابهة الباطنية إن استمر المرء عليها، فينتقل الحال من مشابهة ظاهرية إلى مشابهة باطنيّة، فتورث الميل القلبي إلى هؤلاء الكفار والمشركين، بل قد تورث الميل القلبي لمعتقداتهم ولأديانهم ولنظرياتهم وأفكارهم، وأنت ترى هذا الأمر لدى فئام من المسلمين الذين انتسبوا إلى الغرب أكثر من انتسابهم إلى الدين الإسلامي، فصاروا قلبًا وقالبًا مع أعداء هذا الدين.

فالمشابهة في الظاهر تؤدي إلى المودة المحبة والموالاة القلبية، وكذلك المحبة في الباطن تؤدي إلى المشابهة في الظاهر؛ فلو أن إنسانًا يحب إنسانًا في قلبه ويميل إليه، تجده يحاول جاهدًا أن يتشبه به في مأكله ومشربه وفي ملبسه، كما يحاول المؤمن التشبه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من منطلق حُبّك له وأنك تتخذه أسوةً وقدوةً وإمامًا، ومن ثمّ فأنت تحاول جاهدًا أن تحذوا حذوه

(1) مسند الإمام أحمد (5115) ، سنن أبي داوود (4031) ، الجامع الصغير للسيوطي (11094) ،

(2) صحيح مسلم (260)

(3) كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية 1\ 549.?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت