الصفحة 52 من 83

في كل صغير وكبيرة؛ في مأكله وفي مشربه وفي ملبسه وفي منامه وفي كلامه وفي ضحكه، إلى سائر تلك الأمور.

وهذا في الأمور الدنيويّة فكيف في الأمور الدينيّة؟ فلو تشبهت بالكفرة في أمور الدنيا كالأكل والشراب والملبس والمشية والكلام؛ فهذه المشابهة تؤدي بك في النهاية -إن استمريت بها- إلى أن تشابههم في قلبك بحبك ومودتك، فكيف إذا تشبهت بهم في أمور دينية؛ في العقائد وفي العبادات وفي الأحكام؟ فالأمر هنا أخطر وأعظم، والموالاة القلبية أقرب للعبد من تلك الأمور الدنيوية، فيسهل على العبد أن يميل إليهم بقلبه وأن يسارع حبًا واعتناقًا لأفكارهم ولمبادئهم ولأديانهم.

يقول سيّد -رحمه الله- مبينًا ومعلّلًا لنهي الشرع عن التشبه بالكفّار والمشركين:"نهي عن تشبه في مظهر أو لباس. ونهي عن تشبه في حركة أو سلوك. ونهي عن تشبه في قول أو أدب .. لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورًا عن تصور، ومنهجًا في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة. ثم هو نهي عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتُحقِّقَه في الأرض. نهي عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض. فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين." [1] اهـ.

فالإسلام يريد منك أن تكون متميزًا في كل كبيرة وفي كل صغيرة، أن تكون أيها المسلم متميزًا في فكرك وفي شعورك وفي معتقدك، وكذلك تكون متميزًا في حركتك وفي سكنتك وفي مأكلك وفي مشربك وفي ملبسك، وفي كل هذه الأمور التي ربما قد ترى بعضها أمرًا بسيطًا لا يستحق، إلّا أنّ الإسلام ينظر لها بمعيار آخر.

فالله -عز وجل- يريد من هذه الأمة أن تكون شاهدةً على الناس، ومن مقتضى الشهادة على الناس أن تكون هي القائدة والرائدة لهم، والقيادة والريادة لا تتحقق إلا إذا كنت تستشعر من نفسك تمامًا أنك خير من هؤلاء الناس وأنك أعلى منهم بخيريّة الدين وعلو الدين، وهذه الخيرية وهذا العلو لا يتأتّى إلا إذا كنت متميّزًا عنهم في كل صغيرة وكبيرة في أمور الدين وفي أمور الدنيا، فالقيادة والريادة لا تتحقق وأنت تأخذ منهم، ولو أخذت منهم شيئًا قليلًا، فيحصل تميّع في نفس المؤمن، كيف يكون هو القائد والرائد والأستاذ لهذا العالم وهو يأخذ من الكفّار ما عندهم؟ وإن كان هذا المأخوذ هو أمرًا دنيويًا، لا تستقيم صورة التميز والمفاصلة في هذه الحالة.

(1) (في ظلال القرآن) لسيد قطب 1\ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت