كما قلنا الذي يأخذ من الكفار هديهم الظاهري ولو في مجرد الأمور الدنيوية؛ فهذا الأمر سيجعله في المستقبل لا يقف عند هذا الحد وإنّما يتعدّاه ليأخذ الأمور التي تتعلق بالفكر والمعتقد.
بل كما رأينا كيف أن أناسًا كثيرين بدأوا التشبه بالكافرين في الأمور الدنيوية، وانتهى بهم التشبه بالكفار إلى أنهم استوردوا منهم أحكام حياتهم كلها؛ في الدماء والأموال والأعراض، فصاروا كالغرب قلبًا وقالبًا، سواءً بسواء، لا يأنفون أن يحكموا بقانون نابليون أو بغيره من الشرائع التي جاءت من الغرب، بل يرون في ذلك قمّة في الرفعة وقمّة في التقدم.
فهذا التشبه الظاهري أورثهم -مع استمراره- تشبهًا باطنيًا أشدّ من التشبه الظاهري؛ فربما تجد أحدهم يلبس زيّ المسلمين صاحب عمامة وصاحب لحية إلا أنه في القلب يكاد لا يفترق عن أخيه النصراني أو أخيه اليهودي؛ عقيدةً وفكرًا فضلًا عن السلوك والتصرف.
ومن أخطر تلك الوثائق التي تحدثنا عنها من قبل والتي توضح لنا حرص الشريعة الإسلامية على قضية التميز والمفاصلة عن الكفار والمشركين ولو في أمور هي في نظرنا نحن بسيطة، تلك الوثيقة العمريّة والتي قرأناها عليكم، ورأينا كيف أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استغرق سائر الصور التي من الممكن أن يحصل فيها المشابهة بين الكفار وبين المسلمين، وهي صور ظاهرية ربما يجد فيها البعض قدرًا كبيرًا من البساطة، ولكن ميزان الشرع يختلف عن موازيننا نحن، فهي في الحقيقة غير بسيطة لأن استمرار التشبه في تلك الأمور البسيطة يؤدي إلى موارثة في الاعتقاد والمحبة والمودة، والتي إذا تحققت انخرمت عقيدة الولاء والبراء في قلب صاحبها.
وقد ذكر تلك الوثيقة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) صـ 208، وذكرها كذلك في (اقتضاء الصراط المستقيم) [1] ، وأشار إليها كذلك في مجموع فتاواه 28\ 654، جاء في تلك الوثيقة على لسان النصارى الذين اشترطوا تلك الشروط على أنفسهم:
".. وَأَلَّا نَضْرِبَ بَنَوَاقِيسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا، وَلَا نُظْهِرَ عَلَيْهَا صَلِيبًا، وَلَا تُرْفَعَ أَصْوَاتُنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلَّا نُخْرِجَ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نُخْرِجَ بَاعُوثًا -قَالَ: وَالْبَاعُوثُ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ- وَلَا شَعَانِينَ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نُجَاوِرَهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا، وَلَا نُرَغِّبَ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُوَ إِلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ"
(1) انظر كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية 1\ 365