أَقْرِبَائِنَا أَرَادُوا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَلَّا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ وَلَا فِي مَرَاكِبِهِمْ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ وَلَا نَكْتَنِيَ بِكُنَاهُمْ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا، وَلَا نَفْرُقَ نَوَاصِيَنَا، وَنَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ وَلَا نَحْمِلَهُ وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ .... ضَمِنَّا لَكَ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَأَزْوَاجِنَا وَمَسَاكِينِنَا، وَإِنْ نَحْنُ غَيَّرْنَا أَوْ خَالَفْنَا عَمَّا شَرَطْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَقَبِلْنَا الْأَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ لَكَ مِنَّا مَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ" [1] اهـ."
فتجد أن الوثيقة نصت على أمور بسيطة جدًا في نظرنا نحن، رغم ذلك تشدّد فيها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وصارت هذه الوثيقة متفقًا عليها بالإجماع -كما سيأتي معنا كلام ابن تيمية-. كل هذه الأمور البسيطة تبيّن لك اهتمام الشريعة بزرع روح التميّز والمفاصلة وتمييز المسلم عن غيره، خوفًا من أن تؤدي هذه المخالطة إلى نوع من الموالاة القلبية، وإقامةً لحاجز الولاء والبراء، فإذا سقط هذا الحاجز عن طريق المشابهة قد تورث هذه المشابهة الميل القلبي فتنمحي عقيدة المولاة والمعاداة في قلب المسلم.
ثم ختمت هذه المعاهدة بأن أقروا أنهم لو خالفوا أي شرط من هذه الشروط فينتهي عقد الذمة وحلّ للمسلمين دماؤهم وأموالهم وأعراضهم وانتقلوا في حكمهم من أحكام أهل الذمة إلى أحكام المحاربين.
وقال ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) عن هذه الشروط بعد أن ذكرها:"وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها. وهي أصناف؛ الصنف الأول: ما مقصوده: التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرضَ عمر -رضي الله عنه- والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتميز في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم .." [2] اهـ. ( .. )
(1) انظر نص هذه العهدة العمريّة في السنن الكبرى للإمام البيهقي (18717) .
(2) كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية 1\ 365.