وذكرنا لكم من قبل تلك القصة الطريفة والتي وإن كانت بسيطة في ظاهرها لكن مضمونها يحمل الشيء الكثير، ذكرها الدارقطني في سننه [1] وأبو يعلى في فوائده بإسناد حسن؛ وهي أن عائذ بن عمر المدني ذلك الصحابي الجليل -رضي الله عنه- جاء يوم الفتح مع أبي سفيان، وأبو سفيان لم يكن قد أسلم وقتها، فقال الصحابة: (هَذَا أَبُو سُفْيَانَ وَعَائِذُ بْنُ عَمْرٍو) ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ) [2] .
فصحح لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الترتيب، وإن كان هذا الترتيب في الأسماء فقط ولا يقدم ولا يؤخر من الحقيقة شيء، ولكن الأمر تربيةً في نفوس الصحابة على روح الاستعلاء الإيماني، وإقامة لحاجز الموالاة والمعاداة، حتى يستشعر المسلم دائمًا أنه هو الأعلى وينظر للكافر على أنه أدنى منه مرتبة، وإن كان أدنى منه مرتبة فلا يستقيم أن يأخذ منهم شيئًا؛ لأنه هو صاحب المرتبة والريادة، وصاحب الأستاذية، ولأنه هو المبتعث الذي ابتعثه الله ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فلا يستقيم من كان هذا حاله وهذه هي صفته أن يأخذ من غيره، ولو كان هذا المأخوذ أمرًا دنيويًا في شعر أو في مأكل أو ملبس أو مشرب أو في غير ذلك من الأمور الدنيوية، أبدًا لا يستقيم أن يأخذ المسلم من غير المسلم في هذه الأمور الدنيويّة.
ثمّ برّر وعلّل النبي -صلى الله عليه وسلم- لماذا يجب أن يُقدَّم المسلم على الكافر ولو في الأسماء فقط فقال: (الْإِسْلَامُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) .
وهذه الكلمة التي قالها الصحابة ليس فيها توهين لجانب الإسلام، وفي نظرنا ليس فيها شيءـ ولكن التساهل في هذه الأمور البسيطة قد يورث نوعًا من المشابهة غير المحمودة في المستقبل، ومن ثمّ كان لا بد أن تركّز الشريعة على التمييز والتميز في كل صغيرة وكبيرة، وهذه الجملة (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) أخرجها الإمام البخاري في صحيحه [3] .
فالإسلام لا يُعلى عليه حتى وإن كان هذا العلو هو علو لفظي لا يقدم ولا يؤخر من الحقيقة شيء، وهذا الكلام بالنسبة لواقعنا يعتبر ضربًا من الخيال، وكأننا نتكلم في أحلام أو منامات، فمجرد تقديم اسم الكافر على اسم المؤمن لم يرضَ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف اليوم وقد علونا وقد ركبونا، بل قد وطئونا بأقدامهم ونعالهم؟!
وقريب من هذا ما أخرج ابن إسحاق في سيرته أنه عندما كانت الدائرة على المؤمنين في غزوة أحد علا بعض الكفار المسلمين في شعبة من الشعب فصاروا أعلى من المسلمين، فقال النبي -
(1) سنن الدارقطني (3620)
(2) السنن الكبرى للبيهقي (12155) .
(3) انظر صحيح البخاري كتاب الجنائز باب (بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلاَمُ)