صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا) [1] ، ولو كان هذا العلو علو المكان، فما بالك بعلو المرتبة وعلو القهر وعلو التمكين الذي لهم اليوم، وأن الدولة والشوكة لهم يعلون بها على المسلمين ويذيقونهم ألوان الخزي والنكاد؟!
وفي نفس الغزوة في غزوة أحد، كما جاء في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- والذي أخرجه الإمام البخاري في عدة مواضع في صحيحه [2] وكذلك أخرجها الإمام أحمد في مسنده وكما في (فتح الباري) لابن حجر 7\ 349؛ أن أبا سفيان قال بعد أن انتهت واقعة أحد وبعد أن هزيمة المسلمين قال أبو سفيان: (أعلو هبل) ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة: (أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟) ، قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟) قَالَ: (قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ) ، ومن هنا يستمد المؤمن مصدر عزته وعلوه ورفعته، فهذا هو المبرر لكون المسلم هو الأعلى؛ أن الله -عز وجل- أعلى من سائر الآلهة والمعبودات الباطلة، فإلهنا الذي نعبده وحده لا شريك له هو الأعلى وهو الأجل وهو الذي له العلوّ بكافة أصنافه؛ علوّ القهر وعلوّ المنزلة وعلوّ الذات. أما سائر الآلهة الباطلة وإن كانت هي الأعلى في نظر أصحابها فهي على الحقيقة آلهة باطلة معدومة، كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [3] .
فقال أبو سفيان: (إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ) ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟) ، قَالَ: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟) قَالَ: (قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ) . وكذلك من هنا يستمد المؤمن مصدر عزته ورفعته أن الله تعالى هو مولاه ولا مولى للكافرين، ولا مولى للمشركين، ولا مولى للمرتدين، ومن كان الله مولاه فلا يحتاج لغيره بل الله حسبه والله كافيه.
والعجيب أن أصحاب الديانات الباطلة كاليهودية والنصرانية يحرصون كذلك على زرع روح التميز والمفاصلة في نفوس أتباعهم، فإذا كانوا هم بهذا الشكل فمن أولى بهذا نحن أم هم؟
وهناك قصة تبين لنا هذا المعنى؛ عندما كانت البعثات الطلّابيّة النصرانية تأتي وتفد لديار الإسلام والمسلمين لتلقي العلم؛ وخاصّة في الأندلس، حيث كان الطلاب الأوربيين يأتون للأندلس المسلمة، والتي كانت قبلة العلماء في سائر صنوف العلم الدينية والدنيوية، فكان الطلاب يأتون للأندلس ويأخذون منها العلوم الدنيوية كالطب والهندسة والفلك، إلى غير ذلك من العلوم.
(1) سيرة ابن هشام ط دار السقا 2\ 86
(2) صحيحي البخاري (3039، 4043) .
(3) سورة البقرة 166