فكانت الكنيسة النصرانية تراقب هذه البعوث الطلابية بمنتهى الشدة والحذر؛ خوفًا أن يتأثر هؤلاء الطلاب بالمسلمين فيدخلون في دينهم، ومن ثمّ عملت الكنيسة ورجال الدين النصراني على إقامة الحواجز بين هؤلاء الطلاب وبين المسلمين، فكانوا يأمرونهم ويشدّدون الأوار عليه بضرورة أن يلتزموا في كل صغيرة وكبيرة بدينهم؛ في المأكل وفي المشرب وفي الملبس وفي الزي وفي الكلام.
وأصدرت الكنيسة النصرانية قرارًا كنسيًّا؛ كما ورد في كتاب (النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار) [1] في مقدمة الكتاب الصفحة 8، فجاء في نص هذا القرار:
"إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذي يبدأون كلامهم بلغات بلادهم ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا على ذلك فستصدر الكنيسة قرارًا بالحرمان ...."اهـ.
فهؤلاء الطلاب النصارى كانوا يذهبون لبلاد المسلمين ليتعلموا فيها، فمن الطبيعي أنهم كانوا يتعلمون اللغة العربية، فعندما كانوا يرجعون لبلادهم كان أحدهم يبدأ الكلام بلغته ثم يكمل باللغة العربية، كما يحدث الآن بعض الناس يتكلم باللغة العربية ثم يكمل كلامه باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، فالأمر مشاهد حتى أنه يحدث بيننا الآن، فرغم أن هذا التصرف تصرف بسيط لم تقبل الكنيسة هذا التصرف، فالمسألة عندهم لا تحتمل، فالنصارى أصحاب العقيدة المنحرفة المتناقضة حرصوا على إقامة حاجز الموالاة والمعاداة من جانبهم هم، فيخافون أنه إذا انماع هذا الحاجز أن يدخل النصارى في دين الله، ومن ثم ّ يقيمون تلك الحواجز بأي صورة من الصور.
أما عند اليهود فالأمر أوضح وأكثر وأشد، فاليهود في كل حركاتهم وسكناتهم يعلنون أنهم متميزون عن غيرهم في كل شيء، بل هم يقولون أصلًا أن غير اليهود هم في منزلة الكلاب والخنازير، ولم يُخلقوا في صورة إنسان إلا ليصلحوا لخدمة السيد اليهودي، وكلامهم في هذا الباب كلام كثير جدًا، التلمود مليء بهذه الروح العدائية لغير اليهود، وهم يهدفون من ذلك ليغرسوا في روح اليهودي أنه هو الأعلى وأنه هو السيد والحاكم، وأن الصورة الطبيعية التي لا يختلف فيه اثنان؛ هي أن يحكم اليهودي غيره، ومن ثمّ تجد أنهم يتصرفون في سائر مناحي الحياة بهذه الكيفية التي غرست في نفوسهم منذ الصغر؛ أنهم هم الأعلون وأنهم شعب الله
(1) الكتاب للشيخ مصطفى بن محمد الوردانى ومن تقديم الدكتور طه جابر فياض العلواني، فالكلام للشيخ العلواني في تقديمه للكتاب.