الصفحة 7 من 83

ثم تكلمنا كذلك عن التأويل؛ منذ ظهور الفرق الكلاميّة من لدن جهم وأصحابه، وإلى صور التأويل الحديثة، والتي يروج لها فئام كثيرون اليوم بيننا تحت شعارات ومسميات مختلفة، وإن كان الجوهر واحدًا لم يتغير.

كذلك تكلمنا عن المصلحة؛ عن ذلك الصنم الذي قال في حقه سيد -رحمه الله- أن مصلحة الدعوة صارت عند كثير من الدعاة صنمًا يُعبد من دون الله، في تفسيره لسورة الحج [1] ، ولعل كلامه يأتي معنا -إن شاء الله-.

ثم تكلمنا كذلك في ضمن خصائص أهل السنة والجماعة أنهم ينبذون التقليد ويأنفون من التعصب، وتكلمنا عن معنى التقليد وعن معنى التعصب، وأسهبنا في الحديث عنهما وأنهما من شيم العقل الضعيف والنفوس الضعيفة التي لم تقدر نعمة العقل التي وهبها الله إياها، فرضت لنفسها أن تكون كالأنعام بل منهم من هو أضل، وأسهبنا الحديث عن هذه المسألة.

وتكلنا عن المكانة الحقيقية للرجال في ديننا، وأنهم دلائل لا أكثر، يستدل لأقواهم وأفعالهم ولا يستدل بأقوالهم وأفعالهم، والفرق شاسع بين الأمرين والمنهجين.

وتكلمنا كذلك عن أناس ينبذون التقليد في أقوالهم في حين أنهم في أفعالهم ينغمسون في التقليد حتى الآذان، فهم متحرّرُون في مواجهة أقوام، مقلّدون في مواجهة آخرون، متحرّرون في مسائل لا تكلفهم الكثير، لا تكلفهم ثمنًا باهظًا من دم ونفس، وفي نفس الوقت هم مقلدون محترقون في مسائل أخرى، هذا التقليد والانفصام النكد الذي نراه واضحًا عند حديثنا عن مفاهيم العقيدة الإسلامية.

كذلك تكلمنا عن العلم وعن منزلته عند أهل السنة والجماعة، وعرفنا العلم وتكلمنا عن مفهومه الصحيح، ورأينا كيف أن السلف -رحمهم الله- يفرّقون بين العلم وبين جمع المعلومات، ويفرقون بين العالم وبين تاجر العلوم.

فالذي يجمع المعلومات ويقف عند هذا الحد، ولا يُحَوِّل هذا العلم الذي رُزِق إياه إلى واقع عملي يعيشه بين الناس إنما هو تاجر علوم، ونقلنا نصوصًا كثيرة في هذه المسألة، ورأينا كيف أنهم يرون أن العلم ما هو إلا وسيلة، وما هو إلا أداة، نحو هدف آخر وغاية أخرى، ألا وهي العلم، فالعلم يراد للعمل ومن الغفلة العظيمة الوقوف عند حد العلم.

(1) يقول سيد قطب في تفسيره (في ظلال القرآن) 4\ 2435: [إن كلمة «مصلحة الدعوة» يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص! ولقد تتحول «مصلحة الدعوة» إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل! .. ] اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت