فهرس الكتاب
34 -ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر. فمن أبصر هذا اعتبر. وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.
35 -والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) القيامة، الآية من 22 - 23. وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.
36 -ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فمن رام علم ما خطر عنه علمه. ولم يقنع بالتسليم فهمه. حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا.
37 -ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية -بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية.
38 -وتعالى [1] عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
(1) - قوله: تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات الست كسائر المبتدعات، هذا الكلام فيه إجمال قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته وليس لهم بذلك حجة لأن مراده رحمه الله تنزيه البارئ سبحانه عن مشابهة المخلوقات لكنه أتى بعبارة تحتاج إلى تفصيل حتى يزول الاشتباه، فمراده بالحدود يعني التي يعلمها البشر فهو سبحانه لا يعلم حدوده إلا هو سبحانه لأن الخلق لا يحيطون به علمًا كما قال عز وجل: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) طه، الآية (110) . ومن قال من السلف بإثبات الحد في الاستواء أو غيره فمراده حد يعلمه الله سبحانه ولا يعلمه العباد. وأما الغايات والأركان والأعضاء والأدوات، فمراده رحمه الله تنزيهه عن مشابهة المخلوقات في حكمته وصفاته الذاتية من الوجه واليد والقدم ونحو ذلك فهو سبحانه موصوف بذلك لكن ليست صفاته مثل صفات الخلق ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ لينفوا بها الصفات بغير الألفاظ التي تكلم الله بها وأثبتها لنفسه حتى لا يفتضحوا وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق. والمؤلف الطحاوي رحمه الله لم يقصد هذا المقصد لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله وكلامه في هذه العقيدة يفسر بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا ويفسر مشتبهه بمحكمه وهكذا قوله لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات مراده الجهات الست المخلوقة وليس مراده نفي علو الله واستواءه على عرشه لأن ذلك ليس داخلًا في الجهات الست بل هو فوق العالم ومحيط به وقد فطر الله عباده على الإيمان بعلوه سبحانه وأنه في جهة العلو وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان على ذلك والأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة كلها تدل على أنه في العلو سبحانه فتنبه لهذا الأمر العظيم أيها القارئ الكريم واعلم أنه الحق وما سواه باطل والله ولي التوفيق.