وقول هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا.
وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد ذكر الشرك الأكبر والأصغر:
ومن أنواع هذا الشرك السجود للشيخ.
ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم.
ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره.
ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا لمن استغاث به، وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل الله لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات.
وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأوليائه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، أو أنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم.
ولله در خليله إبراهيم حيث يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) .
وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى كلامه.
والمراد بهذا أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر. وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر.
وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول والثاني صريحًا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة.
منها أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه، وآخر ما صرح به قوله آنفًا (وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلى آخره) .
فهل بعد هذا البيان بيان، إلا العناد بل الإلحاد؟
ولكن تأمل قوله أرشدك الله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين إلى آخره.
وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك الأكبر وإن لم يعاديهم فهو منهم وإن لم يفعله.
وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين، أن من دعا علي ابن أبي طالب فهو كافر، وإن من شك في كفره فهو كافر، فإذ كان هذا حال من شك في كفره مع عداوته له ومقته، فكيف بمن يعتقد أنه مسلم ولم يعاده، فكيف بمن أحبه، فكيف بمن جادل عنه وعن طريقته، وتعذر أنا لا نقدر على التجارة وطلب الرزق إلا بذلك.
وقد قال تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) .