فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 294

فإذا كان هذا قول الله تعالى فيمن تعذر عن النبيين بالعمل بالتوحيد ومعاداة المشركين بالخوف على أهله وعياله فكيف بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة، ولكن الأمر كما تقدم عن عمر: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، لهذا لم يعرف معنى القرآن، وأنه أشر وأفسد من الذين قالوا: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) الآية.

ومع هذا فالكلام الذي يظهرونه نفاقًا، وإلا فهم يعتقدون أن أهل التوحيد ضالون مضلون، وأن عبدة الأوثان أهل الحق والصواب، كما صرح به إمامهم في الرسالة التي أتتكم قبل هذه خطه بيده يقول بيني وبينكم أهل الأقطار وهم خير أمة أخرجت للناس وهم كذا وكذا، فإذا كان يريد التحاكم إليهم ويصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فكيف أيضًا يصفهم بشرك ومخالطتهم للحاجة.

وما أحسن قول أصدق القائلين: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) .

(بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) .

فرحم الله أمرءًا نظر في نفسه وتفكر فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من معاداة من أشرك بالله من قريب أو بعيد وتكفيرهم وقتالهم حتى يكون الدين كله لله، وعلم ما حكم به محمد صلى الله عليه وسلم فيمن أشرك بالله مع ادعائه الإسلام.

وما حكم في ذلك الخلفاء الراشدون كعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه وغيره لما حرقهم بالنار مع أن غيرهم من أهل الأوثان الذين لم يدخلوا في الإسلام لا يقتلون بالتحريق، والله الموفق.

وقال أبو العباس ابن تيمية في الرد على المتكلمين لما ذكر بعض أحوال أئمتهم قال: وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه، بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما فقد يرجح غيره المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعًا، فتدبر هذا فإنه نافع جدًا.

ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد بل يسوغون الشرك، أو يأمرون به، أولا يوجبون التوحيد، وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك.

وهم إذا ادعوا التوحيد إنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لابد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك به، وهذا شيء لا يعرفونه فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لابد أن يعبد الله وحده ويتخذه إلهًا دون ما سواه، وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) ، انتهى كلام الشيخ.

فتأمل رحمك الله هذا الكلام فإنه مثل ما قال الشيخ فيه نافع جدًا.

ومن أكبر ما فيه من الفوائد أنه يبين لك حال من أقر بهذا الدين، وشهد أنه الحق، وأن الشرك هو الباطل، وقال بلسانه ما أريد منه، ولكن لا يدين بذلك، إما بغضًا له، أو عدم محبته كما هي حال المنافقين الذين بين أظهرنا، وإما إيثار الدنيا مثل تجارة أو غيرها فيدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) الآية.

وقال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) إلى قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) ، فإذا قال هؤلاء بألسنتهم نشهد أن هذا دين الله ورسوله، وأن المخالف له باطل، وأنه الشرك بالله، غر هذا الكلام ضعيف البصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت