فهرس الكتاب
وأما كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى على هذه المسألة فكثير جدًا، فنذكر من ذلك شيئًا يسيرًا لأن المسألة وفاقية والمقام مقام اختصار، فلنذكر من كلامه ما ينبهك على الشبه التي استدل بها من ذكرنا في الذي يعبد قبة الكواز وأن الشيخ توقف في تكفيره، ونذكر أولًا مساق الجواب وما الذي سيق لأجله وهو أن الشيخ محمد رحمه الله ومن حكى عنه هذه القصة يذكرون ذلك معذرة له عن ما يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين وإلا فهي نفسها دعوى لا تصلح أن تكون حجة بل تحتاج لدليل وشاهد من القرآن والسنة، ومن فتح الله بصيرته وعوفي من التعصب وكان ممن اعتنى بين هذه المسألة بيانًا شافيًا وجزم بكفر المعين في جميع مصنفاته ولا يتوقف في شيء منها، ولنرجع إلى مساق الجواب الذي أشرنا إليه.
قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله على قول العراقي قد كفرتم الحرمين وأهلها فذكر كلامه وأجاب عنه إلى أن قال: قال العراقي: ومن المعلوم أن المنع من تكفير المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب وإن أخطأوا من أحق الأغراض الشرعية وهو إذا اجتهد فله أجران إن أصاب، وإن أخطأ فله أجر واحد انتهى كلام العراقي.
والجواب أن يقال: هذا الكلام من جنس تحريفه الذي قررناه في هذا تحريفين أحدهما أنه أسقط السؤال وفرضه في التكفير في المسائل التي وقع فيها نزاع وخلاف بين أهل السنة والجماعة والخوارج والروافض، فإنهم كفروا المسلمين وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه وأصلوه ووضعوه وانتحلوا ما سقط هذا خوفًا من أن يقال دعاء أهل القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم ليست من هذا الباب ولم يتنازع فيها المسلمون بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفر كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وجعلها مما لا خلاف في التكفير بها فلا يصح حمل كلامه هنا على ما جزم هو بأنه كفر مجمع عليه، ولو صح حمل هذا العراقي لكان قوله قولًا مختلفًا وقد نزهه الله وصانه عن هذا، فكلامه متفق يشهد بعضه لبعض. إذا عرفت هذا عرفت تحريف العراقي في إسقاطه بعض الكلام وحذفه، وأيضًا فالحذف لأصل الكلام يخرجه عن وجهه وإرادة المقصود.
التحريف الثاني: أن الشيخ رحمه الله قال: أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عُبّاد القبور من مسمى المسلمين كما سننقل من كلامه في الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون في المسلمين في مثل الكلام، فذكر كلاماَ فيما أخطأ من المسلمين في بعض الفروع إلى أن قال: فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميت وطلب منه الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه وسجد له فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه انتهى.
فبطل استدلال العراقي وانهدم من أصله، كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين متناولًا لمن يدعو الصالحين ويستغيث بهم مع الله ويصرف لهم من العبادات ما لا يستحقه إلا الله، وهذا باطل بنصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.