فذكر هذين النوعين بقوله: ( .. قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد: 43] ، فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلي في آياته وبراهينه وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله.
وشهادة الله سبحانه لأنبيائه بالصدق -التي هي أعظم الشهادات- تكون بالآيات والبراهين التي أرسل بها الرسل ليدل بها العباد على صدقهم؛ فهي تجري مجرى قول المرسِل: صدقت. فهي تصديق بالفعل، تجري مجرى التصديق بالقول. إذ كان الناس لا يسمعون كلام الله المرسل منه؛ فكانت المعجزة تصديق للرسول، أي: إخبار بصدقه، وشهادة له بالصدق، وشهادة به بأنه أرسله، وشهادة له بأن كل ما يبلغه عنه كلامه.
والله سبحانه قد بين شهادته بالطريقين: بالسمع والبصر، بالفعل الذي يبين الحكمة والخبر الذي يبين العلم. فالبصير يعاين آياته المخلوقة الفعلية؛ والسميع يسمع آياته المتلوة المنزلة.
وهو يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق. كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53] أي أو لم يكف بشهادته المخبرة بما علمه؛ وهو الوحي الذي أخبر به الرسول.
ولذا فالقرآن من أعظم الآيات البينة الدالة على صدق من جاء به، وقد اجتمع فيه من الآيات ما لم يجتمع في غيره. فإنه هو الدعوة والحجة، وهو الدليل والمدلول عليه؛ والحكم. وهو الدعوى، وهو البينة على الدعوى، وهو الشاهد، والمشهود به.