ومن آيات النبوة الكعبة المشرفة. فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع؛ ليس عندها أحد يحفظها من عدو؛ ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة.
ومع هذا فقد حفظها الله بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها، يأتيها خاضعًا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع. وجعل فيها من الرغبة، ما يأتيها الناس من أقطار الأرض إلا محبة وشوقًا من غير باعث دنيوي.
وهي على هذه الحال من ألوف السنين، وهذا مما لا يُعرف في العالم لبنية غيرها. والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها، وكذلك ما بنى للعبادات، قد تتغير حالها على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليها كما استولى على بيت المقدس.
وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل: 1 - 5] فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم.
فالكعبة لها خاصة ليست لغيرها، وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم، مما يوجب لها مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر والغلبة.
ومن دلائل النبوة أيضًا ما يعاين من الآثار، وما يعقل بالقلوب، وما يعلم بالتواتر، من أحوال الأنبياء وأتباعهم؛ وأحوال من كذبهم وكفر بهم. وكيف أيد الله الأنبياء وأتباعهم لأنهم كانوا على الحق الذي يحبه ويرضاه -فطاعة الرسول طاعة لله- وكيف عاقب سبحانه مكذبيهم وانتقم منهم لأنهم كانوا على الباطل الذي يغضب الله على أهله، فمعصية الرسول معصية لله.
كقوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى، وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب. وألقوه في النار. لكن جعلها الله بردًا وسلامًا.