قال القاضي أبو يعلى:"ومثبتوا النبوات حصل لهم المعرفة بالله تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول .. ونحن لا نمنع صحة النظر، ولا نمنع حصول المعرفة به، وإنما خلافنا هل تحصل بغيره؟"أهـ.
فاستدل بأن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجزة، علمنا أن هناك مرسلًا أرسله، إذ لا يكون هناك نبي إلا وهناك مرسِل، وإذا ثبت أن هناك مرسِل، أغني ذلك عن النظر والاستدلال في دلائل العقول على إثباته.
وقال البيهقي ما ذكره الخطابي:"وقد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها. فلما ثبتت النبوة، صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسول"أهـ.
وكثير من المتكلمين يقولون: لا بد أن تتقدم المعرفة أولًا بثبوت الرب وصفاته التي يعلم بها أنه هو، ويظهر المعجزة، وإلا تعذر الاستدلال على صدق الرسول، فضلًا عن وجود الرب.
وأما الطريقة التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت. وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون، فإنه كان منكرًا للرب، فقال له موسى: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) [الشعراء: 30 - 32] ؛ فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلًا على صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلهًا غير فرعون يتخذه.