وَلَقَد أصابَ طَرَفٌ مِن هذه الفتنةِ القاسيةِ جَذْرَ قُلوبِ عَددٍ كبيرٍ مِن الدُّعاةِ وَطَلَبَةِ العلم ِ، فانقَسَموا ـ وللأسَف الشديدٍ ـ على أنفُسهم، فصارَ بَعضُهُم (يَتَكلَّمُ) في بَعض ٍ، والبَعضُ (الآخَرُ) ينقُدُ الباقين، ويَرُدُّ عليهم ... وهكذا ...
وليسَت تلك الرُّدودُ (مُجَرَّدة ً) ، أو هاتيكَ النَّقَداتُ (وَحدَها) بضائرةٍ أحدًا مِن هؤلاء أو أولئكَ، سواءٌ منهم الرَّادُّ أم المَردودُ عليه، لأنَّ الحَقَّ يُعرَفُ بنوِرهِ ودلائِلهِ، لا بِحاكيِه وقائِلهِ ـ عند أهل ِ الإنصافِ، وليسَ عندَ ذوي التعصُّب والاعتساف ـ؛ وإنَّما الذي يَضيرُ أولئكَ أو هؤلاء: هو الكلامُ، بغَير علم ٍ، وإلقاءُ القَول ِ على عَواهِنِهِ، والتكلُّمُ بغَيرِ حقَّ على عبادِ الله!!
? مسألةُ (( فقه الواقع ) ):
ولَقُد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ العَمياء ِ الصمَّاء ِ البَكماء ِ مسائلُ شَتَّى؛ فِقهيَّة ً، ومَنهَجيَّة ً، ودَعَويَّة ً، وكان لنا ـ حينَها ـ أجوبة ٌ علمَّية ٌ عليها بِحَمد الله سبحانهُ ومِنَّتِه.
ومِن المَسائل التي أعقَبَت تلك الفتنة َ، وكَثُرَ الخَوضُ فيها: ما اصْطَلحَ (البَعضُ) على تَسميِتِه بـ (( فقه الواقع ) )!!
وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم ِ الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ، ألا وهو (( فقه الواقع ) )؛ لأنَّ كثيرًا مِن العُلَماءِ قَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم: أن يَكونوا عالمينَ وعارفينَ بِواقِعِهِم؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم: (( الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ ) )، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ (الواقِع) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها؛ وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ.