الصفحة 18 من 29

وقَد سَمِعنا أيضًا عَن أناس ٍ يقولونَ: (( ما يَهُمُّنا نَحنُ أن نَعرِفَ هذا الواقع ) )! فهذا ـ إن وَقَعَ ـ خطاُ أيضًا.

فالعَدلُ أن يُقال: لا بُدَّ في كلِّ علم ٍ من العلوم ِ أن يَكونَ هناك عارفونَ به مُتخَصِّصونَ فيه، يتعاوَنونَ فيما بَينهُم تعاوُنًا إسلاميَّا ً أخويَّا ً صادقا ً، لا حزبَّية َ فيه ولا عَصبَيَّة، لِيُحقِّقوا مصلَحة َ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ، وَإقامَة َ ما يَنشدُهُ كلُّ مُسلم ٍ مِن إيجادِ المُجتمع الإسلاميّ، وتطبيق ِ شرع ِ اللهِ في أرضِهِ.

فكلُّ تلكَ العلوم ِ واجبَة ٌ وجوبًا كِفائيًَّا على مَجموع ِ عُلماء ِ المُسلمين، وليسَ من الواجبِ في شيءٍ أن يَجمَعها فَردٌ واحدٌ، فضلا ً عن استحالةٍ ذلك واقعًا!

فَمثلا ً: لا يَجوزُ للطبيبِ أن يُسَوِّغ َ ـ أحيانًا ـ القيامَ بعَمليَّةٍ جراحيَّةٍ مُعيَّنَةٍ إلا إذا استعانَ برأي العالم الفقيهِ بكتابِ الله سبحانَهُ، وبسُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى مَنهج ِ السَّلفِ الصالح ِ، إذ مِن الصَّعبِ ـ إن لم نَقل: من المُستحيل ـ أن يَكونَ الطَّبيبُ المُتمَكِّنُ في علمِهِ عارفًا ـ أيضًا ـ بالكتابِ والسُّنَّة، مُتمَكِّنًا من فِقههما، وَمَعرفة أحكامِهما.

لذلكَ؛ لا بُدَّ مِن التَّعاوُن ِ، عَمَلا ً بقول ِ رَبَّ العالمين في كتابهِ الكريم ِ: {وَتَعاوَنوا عَلى البِرِّ والتَّقوى وَلا تَعَاوَنوا عَلى الإثمِ وَالعُدوان ِ} [1] ، وبذلك تتحَقَّقُ المَصالحُ المَرجُوَّةُ للأُمَّةِ الإسلاميَّةِ.

وهذه الَمسألةُ من البَداهَةِ بِمَكان ٍ، فإنَّ المُسلمَ لا يَكادُ يَتصَوَّرُ عالمًا فقيهًا في الكتابِ والسُّنَّة، ثم هو مَع ذلك طَبيبٌ خِرِّيتٌ، ثم هو مَع ذلك يعرفُ ـ كما يقولونَ اليَومَ ـ (( فقه الواقع ) )!! إذ بقدْر اشتغالهِ بهذا العلم ِ يَنشغِلُ عَن ذاكَ العلم ِ، وَبِقدْرِ اهتمامهِ بذاكَ العلم ِ يَنصَرِفُ عَن هذا العلم ... وهكذا ...

(1) 30 ـ المائدَة: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت