وفي تعليق الإمام مالكٍ المشهورِ على هذه الآيَةِ ما يُبَيَّنُ المُرادَ، حيثُ قال ـ رحمه الله ـ: (( وما لم يَكُن يَومئذٍ دينًا فلا يَكونُ اليَومَ دينًا، ولا يصلُحُ آخِرُ هذه الأمَّة إلا بما صَلَحَ به أوَّلُها ) ).
وأمَّا هؤلاء الدُّعاةُ الذين يُدنَدِنونَ اليَومَ حولَ (( فقه الواقع ) )، ويُفَخِّمونَ أمرَهُ، ويَرفَعونَ شأنَهُ ـ وهذا حقٌ في الأصل ِ ـ، فإنَّهم يُغالونَ فيه؛ حيث يَفهَمونَ ويُفهِّمونَ ـ ربَّما مِن غَيرِ قَصْدٍ ـ أنَّهُ يَجبُ على كلِّ عالم ٍ بَل على كلِّ طالبِ علم ٍ أن يَكونَ عارفًا بهذا الفقهِ!!
مَع أنَّ كثيرًا مِن هؤلاء ِ الدُّعاةِ يَعلمونَ جيِّدًا أنَّ هذا الدِّينَ الذي ارتَضاهُ ربُّنا عَزَّ وجَلَّ في أمَّةِ الإسلام قَد تغَيَّرَت مفاهيمُهُ قَديم الزَّمان ِ حتى فيما يَتلَّقُ بالعَقيدةِ، فَنَجِدُ أناسًا كثيرين جدًَّا يَشهَدونَ أن (( لا إله إلا الله ) )، وَيقومون بسائر الأركان، بل قَد يَتعبَّدونَ بنوافِلَ مِن العِبادات، كقيام ِ اللَّيل، والصَّدقات، ونَحو ذلك، ولكَّنهُم انْحَرَفوا عَن مثلِ قوله تعالى: {فاعْلَم أنَّهُ لا إلهَ إلا اللهُ} [1] .
? واقعُ (الدُّعاة) مع (( فقه الواقع ) ):
ونَحنُ نعلمُ أنَّ كثيرًا مِن أولئك (الدُّعاةِ) يُشارِكونَنا في مِعرِفةِ سبَبَ سوء ِ الواقع الذي يَعيشهُ المُسلمون اليَومَ جَذريًَّا؛ ألا وهو بُعدُهُم عَن الفهم الصَّحيح ِ للإسلام ِ فيما يَجبُ على كلِّ فَردٍ، وليسَ فيما يَجبُ على بَعض ِ الأفرادِ فقط، فالواجبُ: تَصحيحُ العَقيدةِ، وتَصحيحُ العبادَةِ، وتَصحيحُ السُّلوكِ.
أينَ مِن هذه الأمَّة مَن قامَ بهذا الواجب العَينيِّ وليسَ الواجبَ الكِفائيَّ؟؟ إذ الواجبُ الكِفائيُّ يأتي بَعدَ الواجب العَينيِّ، وليسَ قبلَهُ!
ولذلكَ: فإنَّ الانشغالَ والاهتمامَ بدَعوَةِ الخاصَّةِ مِن الأمَّةِ الإسلاميَّةِ إلى العنايَة بواجبٍ كِفائيِّ ألا وهو (( فقه الواقع ) )، وتقليلَ الاهتمام بالفقهِ الواجب عَينيًَّا عَلى
(1) 39 ـ مُحمَّد: 19.