وَأَمّا ما يَكونُ مِنْ أَمْرِ الآيَةِ: {قالَ إِنَّهُ يَقولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ} [1] ، فَقَدْ يُظَنُّ -فيما يَظْهَرُ لِلْخاطِرِ الأَوَّلِ- بِأَنَّها آتِيَةٌ عَلى مِنْوالِ (؟ قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) . وَذلِكَ عَلى اعْتِبارِ أَنَّ القائِلَ الأَوَّلَ في (قالَ) مُفْرَدٌ غائِبٌ: (هُوَ) ، وَالضَّميرَ الذي اسْتُفْتِحَ بِهِ مَقولُ القَوْلِ بَعْدَ (إِنَّ) مُفْرَدٌ غائِبٌ كَذلِكَ: (إِنَّهُ) . أَقولُ: هذا صَحيحٌ بَيْدَ أَنَّ الضَّميرَ الغائِبَ في أوَّلِ المَقولِ لا يَرْجِعُ إِلى القائِلِ في الآيَةِ، فالقائِلُ هُوَ (موسى) -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-، والضَّمير في (إِنَّهُ) راجِعٌ إِلى رَبِّنا -سُبْحانَهُ-. إِذَنْ، فَالتَّطابُقُ بَيْنَ الضَّميرَيْنِ مُرْتَفِعٌ بِالضَّرورَةِ، وَالأَمْرُ ما يَزالُ في إِطارِ التَّغايُرِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ خالِيًا، والآيَةُ عَلى مَعْنى: (قالَ موسى: إِنَّ اللهَ يَقولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ ... ) .
وَإِذا كانَ قَد اسْتَبانَ مِمّا مَضى أَنَّ (إِنَّ) قَدْ دَخَلَتْ أَوَّلَ المَقولِ مِن التَّرْكيبِ (؟ قالَ عَمْرو هُوَ مُنْطَلِقٌ) ، لِتَفُضَّ المَحْظورَ وِفاقًا لِقاعِدَةٍ إِجْبارِيَّةٍ، فَقيلَ: (قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) ، وَهذِهِ هِيَ الحالُ الأولى لِـ (إِنَّ) الواقِعَةِ في صَدْرِ المَقولِ، فَإِنَّها -أَيْ (إِنَّ) - قَدْ تَبْدَهُ المَقولَ مِن التَّرْكيبِ: (قالَ عَمْرو: أَنا مُنْطَلِقٌ) لِيُصْبِحَ: (قالَ عَمْرو: إِنّني مُنْطَلِقٌ) ، عَلى نَمَطِ قَوْلِهِ: {قالَ إنّي عَبْدُ اللهِ} [2] . ولكِنَّ هذا لا يَكونُ مِنْ بابِ الاضطرار وَالإِجْبار، بَلْ عَلى سَبيلِ الحُرِّيَّةِ وَالاخْتِيار. وَهذِهِ -في الحَقيقَةِ- هِيَ الحالُ الثّانِيَةُ لِـ (إِنَّ) الواقِعَةِ مُفْتَتَحَ المَقولِ. وَطِبْقًا لِهذا يُفْهَمُ مَجيءُ المَقولِ خالِيًا مِنْ (إِنَّ) في الآياتِ المُوالِيَةِ وَما حاقَلَها، وَلا مانِعَ في الأَصْلِ يَمْنَعُ مِنْ ذلِكُمْ:
- {فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ: اللهُ عَلى ما نَقولُ وَكيل} [3] .
- {إِذْ قالَ إبْراهيمُ: رَبِّيَ الَّذي يُحْيي وَيُميتُ} [4] .
- {قالَ: آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا} [5] .
- {وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدينَةِ: امْرَأَةُ العَزيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ} [6] .
وَعَلى أَيِّ حالٍ، أَسْتَحِبُّ أَنْ يُنْظَرَ إِلى (إِنَّ) الواقِعَةِ مِن المَقولِ المَنْقولِ صَدْرًا، بِوَصْفِها أَداةً لنقلِ الكلامِ، سواء كانَ مَنقولًا بِالحِكايَةِ أَوْ بِالإِخْبارِ. إِلا أَنَّ مَجيئَها -تَحْديدًا- بِدايَةَ المَقولِ المَنْقولِ حِكايَةً، كَما في: (قالَ عَمْرو: إِنَّني مُنْطَلِقٌ) ، مَزِيَّةٌ تَنْمازُ بِها العَرَبِيَّةُ -في حُدودِ عِلْمي-. فإنَّني لم أَجِدْ لغةً تتوسَّلُ بأداةٍ تُخَصِّصُها، أَوْ تُوَظِّفُها، لغايةِ نقلِ الكلامِ نقلًا حكائيًّا [7] . وهذا -لَعَمْري- يُنْبِئُ عن دقَّةٍ في الإيماء إلى ما كانَ مِن الكلامِ منقولًا بنصِّهِ ولفظِهِ، ومَيزِهِ عمّا نُقِلَ بمعناهُ دونَ لَفْظِهِ في مِثْلِ: (قالَ بِأَنَّ، ذَكَرَ أَنَّ/بِأَنَّ، أخبَرَ أَنَّ/بِأَنَّ، صَرَّحَ أَنَّ/بِأَنَّ، أَشارَ إِلى أَنَّ/أَشارَ بِأَنَّ/ أَشارَ أَنَّ، أَبْلَغَ أَنَّ/بِأَنَّ، حَكى أَنَّ، رَوى أَنَّ، أَعْلَمَ أَنَّ، أَنْبَأَ أَنَّ/بِأَنَّ، حَدَّثَ أَنَّ، زَعَمَ أَنَّ، أَعْلَنَ أَنَّ، أَوْضَحَ أَنَّ، بَيَّنَ أَنَّ، أَفْصَحَ أَنَّ، اِدَّعى أَنَّ، ... ) .
ولكنَّ تِلْكَ الخَصيصةَ"المُفتَرَضَةَ"لم تَدُمْ للعربيَّةِ، فقد مالَت اللغةُ -فيما هُوَ مَعْروفٌ مَأْلوف- إِلى تَجاوُزِ (قالَ إِنَّ) ، بالكسرِ، والتخلُّصِ منها في مَراحلَ مِن اللغةِ لاحقةٍ. إِذ لا نَكادُ نعثُرُ في العربيَّةِ الفصحى المعاصِرة [8] ، الشفاهيَّةِ منها والكتابيَّةِ، على (قالَ) متبوعةً بـ (إنَّ) يليهِما كلامٌ إِنْ مَنقولًا باللفظ، وهو النمطُ الذي
(1) البقرة 2: 68.
(2) مريم 19: 30.
(3) يوسف 12: 66. إِذْ يَجوزُ -مِن النّاحِيَةِ اللغَوِيَّةِ ونظريًّا حسبُ-: (قالَ: إِنَّ اللهَ عَلى ما نَقولُ وَكيلٌ) .
(4) البقرة 2: 258. قارِنْها بِـ: (قالَ إِبْراهيمُ: إِنَّ رَبّي ... ) .
(5) مريم 19: 10. في مُقابِلِ أَنْ تَقولَ: (قالَ: إِنَّ آيَتَكَ ... ) .
(6) يوسف 12: 30. فَلا بَأْسَ لُغَوِيًّا يَمْنَعُ مِن القَوْلِ: (قالَ نِسْوَةٌ: إِنَّ امْرَأَةَ العَزيزِ ... ) .
(7) وَالكَلامُ عَلى الأَصْلِ قَبْلَ التَّحَوُّلِ إِلى النَّمَطِ الآخَرِ: (قالَ عَمْرو إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) .
(8) أعني بالعربيَّةِ الفصحى المُعاصِرَةِ (Modern Standard Arabic) اللغةَ التي يَكتب بها المثقفونَ العربُ في أيّامنا هذه، ... وهي النمطُ اللغويُّ المُستعمَلُ -مثلًا- في نشراتِ الأخبارِ والصَّحافَة.