الصفحة 29 من 39

الصَّلاةَ وَأَنْ يُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً) [1] . وَيَكونُ المَعْنى عِنْدَ ذاكَ: اطْلُبْ إِلَيْهِمْ -يا أَيُّها الرَّسولُ- أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ، وَأَنْ يُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ... [2] .

وَيَتَأَسَّسُ عَلى هذا الرَّأْيِ أَنْ يَكونَ فِعْلُ القَوْلِ خارِجًا عَنِ الوَظيفَةِ المَعْهودَةِ التي اشتهرَ بِها، وَهِيَ نَقْلُ الكَلامِ، مُتَجاوِزَهُ إِلى (الطَّلَب) . وَلا بَأْسَ، في هذِهِ الحالِ، أَنْ يُقَدَّرَ الأَمْرُ، شَريطَةَ أَنْ يَكونَ فِعْلُ القَوْلِ هُوَ النّاهِض بِوَظيفَةِ الأَمْرِ القَريبَةِ مِنَ الطَّلَب، وَالتَّقْديرُ: اُطْلُبْ إِلَيْهِمْ أَوْ مُرْهُمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ، وَأَنْ يُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ... .

وَلَعَلَّ مِنَ الواضِحِ أَنَّ الفِعْلَ الذي اشتهرَ بِأَنَّهُ مَجْزومٌ لِكَوْنِهِ"جَوابًا للأَمْرِ"، يَغْدو، طباقًا لِهذا الرَّأْيِ الذي نَبُثُّهُ هُنا، مَنْصوبًا بِـ (أَنْ) المُقَدَّرَة، وَلا شَيْءَ غَيْر. إِنَّ التَّأْويلَ الذي أَقْتَرِحُهُ هُنا للتَّراكيبِ التي مِنْ قَبيلِ: (قُلْ لَهُمْ يُقيموا الصَّلاةَ) ، بِرَدِّها إِلى مِثْلِ: (قُلْ لَهُمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ) ، بِتَقْديرِ (أَنْ) ، وَبِعَدِّ فِعْلِ القَوْلِ مُتَضَمّنًا مَعْنى الأَمْرِ: (قُلْ لَهُمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ) أَيْ (اُطْلُبْ إِلَيْهِمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ) ، أَو: (مُرْهُمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ) ، أَقولُ: إِنَّ هذا التَّأْويلَ يَبْدو أَكْثَرَ قَبولًا مِنْ سِواهُ، خاصَّةً إِذا عَلِمْنا أَنَّ الآياتِ التي وَرَدَتْ عَلى شاكِلَةِ (قُلْ لَهُمْ يُقيموا الصَّلاةَ) في القُرْآنِ العَظيم، جاءَ الفِعْلُ المُضارِعُ فيها،"المَقْطوعُ"النّونِ، الذي يَتْلو فِعْلَ الأَمْرِ (قُلْ) ، مُسْنَدًا -كُلَّ مَرَّةٍ- إِلى جَماعَةِ الذُّكورِ الغائِبين (هُمْ) :

- {قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا يُقيموا الصَّلاةَ وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً} [3] .

- {وَقُلْ لِعِبادي يَقولوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ} [4] .

- {قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ} [5] .

- {قُلْ لِلَّذينَ آمَنوا يَغْفِروا لِلَّذينَ لا يَرْجونَ أَيّامَ اللهِ} [6] .

مَعْنى هذا أَنَّ انْجِزامَ الفِعْلِ -المُسَمّى جَوابًا لأَمْرٍ مَحْذوفٍ- في هذه الحالِ وانْتِصابَهُ سِيّان، لأَنَّ عَلامَةَ الجَزْمِ وَعَلامَةَ النَّصْب هِيَ حَذْفُ النّونِ. فَلا ضَيْرَ -بَعْدُ- مِنَ القَوْلِ بِانْتِصابِ (يُقيموا، يَقولوا، يَغُضّوا، يَغْفِروا) بِـ (أَنْ) مُقَدَّرة [7] .

وَالحَقُّ أَنَّ الكِتابَ المَجيدَ يورِدُ الصّورَتَيْنِ: (قُلْ+أَمْر) وَ (قُلْ+مُضارِع) ، مِمّا يَشي بِأَنَّ ثَمَّ فَرْقًا يَرْبضُ بَيْنَهُما. فوفقَ الأولى جاءَتِ الآيَتانِ المَذْكورَتانِ عالِيًا: {قُلْ أَنْفِقوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} [8] ، وَ {وَقُلْ لِلَّذينَ لا يُؤْمِنونَ اعْمَلوا عَلى مَكانَتِكُمْ} [9] . وَهذا -لا شَكَّ- آتٍ عَلى صيغَةِ الحِكايَةِ أَو الكَلامِ المُباشَر. وَأَمّا الصّورَةُ الأُخْرى: (قُلْ+مُضارِع) ، فَمِثالُها الآيَةُ الحادِيَةُ وَالثَّلاثونَ مِنْ سورَةِ إِبراهيم، وَهِيَ مَوْطِنُ الدَّرْس، وَغَيْرُها

(1) سَبَقَتِ الإِشارَةُ في مَوْطِنٍ سابِقٍ إِلى أَنَّهُ يَصْعُبُ أَنْ تَجِدَ مِثْلَ التَّرْكيبِ: (قالَ لَهُ أَنْ اذْهَب) ، بِاجْتِلابِ الأَمْرِ بَعْدَ (أَنْ) . أمّا التَّرْكيبُ: (قالَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ) ، بِالمُضارِعِ، أَو: (قُلْ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ) ، فَلا يُرى فيهِ أَيُّ بَأْس.

(2) لَيْسَ مُسْتَغْرَبًا، بِأَيِّ مِقْدارٍ، حَذْفُ (أَنْ) ، ذلِكَ أَنَّها تُؤَدّي -عَلى أَيِّ حالٍ- دَوْرَ الرّابِطِ التَّرْكيبِيّ، وَهذا يُمْكِنُ الاسْتِغْناءُ عَنْهُ لأَنَّ مَجالَهُ لا يَمُتُّ إِلى الدِّلالَةِ بِأَدْنى صِلَةٍ. وَقَدْ اسْتُغْنِيَ -فِعْلًا- عَنْ (أَنْ) بَعْدَ الفِعْل (تَأْمُرونَ) في قَوْلِ الحَقِّ: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرونّي أَعْبُدُ أَيُّها الجاهِلونَ} ، أَيْ: (تَأْمُرونّي أَنْ أَعْبُدَ) .

(3) إبراهيم 14: 31.

(4) الإِسْراء 17: 53.

(5) النّور 24: 30.

(6) الجاثية 45: 14.

(7) وكَذا -سواء بِسَواء- الآيَتانِ العَزيزَتانِ: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ} (النّور 24: 31) ، وَ: {قُلْ لأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤْمِنينَ يُدْنينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابيبِهِنَّ} (الأَحْزاب 33: 59) .

(8) التَّوْبَة 9: 53.

(9) هود 11: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت