مِمّا هُوَ مَذْكورٌ عالِيًا:"وَقُلْ لِعِبادي يَقولوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ"، وَ"قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ"، وَ"قُلْ لِلَّذينَ آمَنوا يَغْفِروا لِلَّذينَ لا يَرْجونَ أَيّامَ اللهِ". وَهذا لا صِلَةَ لَهُ بِالحِكايَةِ وَنَقْلِ الكَلامِ مُباشَرَةً:
قُلْ لَهُمْ:"أَقيموا الصَّلاةَ"---< حِكايَة/مُباشَر.
قُلْ لَهُمْ أَنْ يُقيموا الصَّلاةَ ---< قُلْ لَهُمْ يُقيموا الصَّلاةَ ---< إِخْبار/غَيْر مُباشَر.
إِلا أَنَّنا إِذا ابْتَعَدْنا عَن فِعْلِ الأَمْرِ (قُلْ) ، وَبَحَثْنا -في القُرْآنِ- عَنْ فِعْلِ أَمْرٍ آخَرَ، أَلْفَيْنا رَأْيَنا المَذْكورَ يَصْطَدِمُ -ظاهِرًا- بِآياتٍ ثَلاثٍ وَرَدَتْ جَميعُها في سورَةِ البَقَرَة، في سِياقِ قِصَّةِ بَني إِسْرائيلَ مَعَ موسى -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-، وَكُلُّها مُنْطَوِيَةٌ عَلى فِعْلِ الأَمْرِ (اُدْعُ) . ذلِكَ أَنَّ ما سُمِّيَ بِجَوابِ الأَمْرِ في الآياتِ كانَ مُسْنَدًا إِلى المُفْرَدِ المُذَكَّر، وَعَلامَةُ جَزْمِهِ فيها -بِالتّالي- السُّكون:
- {فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} [1] .
- {قالوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ} [2] .
- {قالوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها} [3] .
وَلكِنْ يُمْكِنُ تَخْريجُ هذا بِالقَوْلِ: إِنَّ الفِعْلَيْنِ {يُخْرِجْ} وَ {يُبَيِّنْ} ما انْجَزَما إِلا لِتَسَلُّطِ فِعْلِ الأَمْرِ {ادْعُ} عَلَيْهِما، فَأَشْبَها"الأَمْرَ"أَو"الطَّلَب"، فَدُعاءُ موسى إِلى اللهِ -بَعْدَ سَماعِهِ مَقالَتَهُمْ- لَنْ يَكونَ إِلا بِاسْتِخْدامِ وَسيلَةٍ لُغَوِيَّةٍ واحِدَةٍ هِيَ المُسَمّاةُ بِصيغَةِ فِعْلِ الأَمْر أَو الطَّلَب، فَهُوَ سَيَتَوَجَّهُ لِرَبِّ العِزَّةِ بِالطَّلَبِ قائِلًا نَحْوًا مِنْ: (أَخْرِجْ لَنا -أَوْ: لَهُم- مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ / بَيِّنْ لَنا -أَوْ: لَهُمْ- ما هِيَ ... ) . فَيَكون معنى {ادْعُ لَنا رَبَّكَ} في الآيات: (اِسْأَلْهُ أَنْ ... ) ، أَوْ (اطْلُبْ إِلَيْهِ أَنْ ... ) ، أَوْ (قُلْ لَهُ أَنْ ... ) .
وَمِمّا هُوَ جَديرٌ بِالذِّكْرِ أَنَّ"سيبَوَيْهِ"يُجَوِّزُ في قولِهِمْ: (مُرْهُ يَحْفرها) الجَزْمَ عَلى الجَزاءِ، كَما يُجَوِّزُ الرَّفْعَ عَلى الابْتِداءِ أَوْ بِحَذْفِ (أَنْ) ، أَيْ: مُرْهُ أَنْ يَحفرَها [4] . فَإِذا كان"سيبَوَيْهِ"جَوَّزَ تَقْديرَ (أَنْ) لِيُفَسِّرَ رَفْعَ الجَوابِ في مِثْلِ (مُرْهُ يَحْفرُها) [5] ، فَلِمَ لا يُجَوَّزُ تَقْديرُ (أَنْ) لِتَفْسيرِ الجَوابِ في حالِ كانَ"مَقْطوعَ"الضَّمَّةِ في مِثْلِ {قالوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها} ، أَو كانَ"مَقْطوعَ"النّون في نَحْوِ: {قُلْ لِعِبادِيَ الذينَ آمَنوا يُقيموا الصَّلاةَ وَيُنْفِقوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً} ؟
نَقْلُ الكَلامِ إِخْبارًا مِنْ طَريقِ أَفْعالٍ أُخْرى في القُرْآن:
وَإِذا كانَ الكَلامُ المَنْقولُ بِالإِخْبارِ لا يَكونُ مَنْقولًا في القُرْآنِ مِنْ طَريقِ: (قالَ) ، فَإِنَّهُ في المُقابِلِ يَكونُ مِنْ طَريقِ أَفْعالٍ قَوْلِيَّةٍ أُخْرى، مِنْها الفِعْلُ (أَقْسَمَ) في قَوْلِ مَوْلانا -تَعالى ذِكْرُهُ-: {أَوَلَمْ تَكونوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ} [6] . وَالأَصْلُ أَنْ يَكونَ قَسَمُ الذينَ ظَلَموا، في الحَياةِ الدُّنْيا، بِصيغَةِ المُتَكَلِّمينَ: (ما لَنا مِنْ زَوالٍ) . وَمِنْهُ: {ويَوْمَ تَقومُ الساعةُ يُقْسِمُ المُجْرِمونَ ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ} [7] .
(1) البقرة 2: 61.
(2) البقرة 2: 68، 70.
(3) البقرة 2: 69.
(4) انظر: سيبويه، الكِتاب، ج 3، ص 99.
(5) عَلى اعْتِبارِ أَنَّ حَذْفَ ناصِبِ الفِعْلِ يُؤَدّي إِلى ارْتِفاعِ الفِعْل.
(6) إبراهيم 14: 44.
(7) الرّوم 30: 55.