وإدراك هذه المقاصد القرآنية الجادة يعصم العقل الذي يتناول الآيات من أن يشط بها في التفسير, أو ينحو بها إلى غير مسارها, من هنا عني عدد غير قليل من الأئمة المبرزين, والعلماء المعدودين بذكر العلاقة بين صحة الفهم القرآني وإدراك المقاصد ا لأساسية للقرآن, ومن هؤلاء: الطاهر ابن عاشور- رحمه الله- إذ تناول ذلك في مقدمات تفسيره - التحرير والتنوير, فذكر أن: (المقصد الأعلى من القرآن هو صلاح الأحوال الفردية والاجتماعية والعمرانية, فالصلاح الفردي يعتمد على تهذيب النفس, وتزكيتها ,ورأي الأمر فيه صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير, ثم صلاح الشريعة الخاصة, وهي العبادات الظاهرة, كالصلاة, والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر، وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولًا من الصلاح الفردي, إذ الأفراد أجزاء المجتمع, ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه, ومن شيء زائد على ذلك, وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض, على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية, وهذا هو علم المعاملات, ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسية المدنية، وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك, إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي, وضبط تصرف الجماعات والأقاليم, بعضهم مع بعض, على وجه يحفظ مصالح الجميع, ويرعي المصالح الكلية الإسلامية, ويحفظ المصالح العامة عند معارضة المصلحة الخاصة, ويسمى هذا بعلم العمران, وعلم الاجتماع) [1] , ثم عدد الشيخ- رحمه الله -عددًا من المقاصد الكلية, والأهداف الأساسية التي حرص القرآن على إبرازها, والتي لا يمكن لمفسر أو قارئ أن يستوعب معاني القرآن بقدر طاقته البشرية إلا إذا مر بها فقال: «إن هذه المقاصد الأساسية التي جاء القرآن لبيانها, ويجب على المسلم الأخذ بها ثمانية, وهي: الأول إصلاح في الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح وهذا أعظم سبب لإصلاح في الخلق لأنه يزيل عن النفس عادة
(1) التحرير والتنوير:1/ 38.