وصيغة: (افعألّ) ليست قياسية، والسبب في ذلك قاله ابن عصفور:"وقد كاد يتسع هذا عندهم، إلا أنَّه مع ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس. قال أبو العباس:"قلت لأبي عثمان: أتقيس على هذا النحو؟ قال: لا، ولا أقبله بل ينقاس ذلك عندي في ضرورة الشعر [1] . فهذه الصيغة ليست قياسيَّة لديهم؛ لأنها ليست كثيرة، وأنها لا تقبل إلا في ضرورة الشعر.
ويشارك رمضان عبد التواب القدماء في مسألة الضرورة الشعرية، ويختلف معهم في أن السبب لا يعود لمنع التقاء الساكنين، وإنما الميل للتخلص من المقطع الطويل المغلق [2] (ص ح ح ص) [3] ، وتشاركه هذه الدراسة بذلك، ولكنها تختلف معهم في أن المسألة لا تقتصر على الضرورة الشعرية؛ بل هي أوسع من ذلك، فهذا أبو حيان يقول في البحر المحيط:"وقرأ السختياني (ولا الضألين) بإبدال الألف همزة فرارًا من التقاء الساكنين" [4] .
إن دراسة البنية المقطعية لصيغة: (افعالَّ) تشير إلى أن النسيج المقطعي لها، يتألف من: (ص ح ص/ ص ح ح ص 1/ص 2 ح) ، أي من مقطع متوسط مغلق، ومقطع طويل مغلق ومن مقطع قصير [5] ، إضافة إلى أن الحرف ص 1 (الساكن) يماثل الحرف ص 2 (المتحرك) .
ويتضمن المقطع الطويل المغلق حركة الفتح الطويلة (وهي ليست حرفًا ساكنًا كما أشار القدماء) [6] ، وحكم هذه الفتحة الطويلة في هذا المقطع كما يقرر علماء التجويد مدّ لازم مقداره ست حركات وهو أقصى حالات المد طولًا، ودخول الهمزة معناه: انقسام المقطع الطويل (ص ح ح ص) المغلق إلى مقطعين: (ص ح/ص ح ص) ، وهو ما يمثل الانتقال من: (افعالَّ) إلى: (افعألَّ) التي يتألف نسيجها المقطعي من: (إف/عَ/أَلْ/لَ=ص ح ص/ص ح/ ص ح ص 1/ص 2 ح) .
(1) 22. ابن جني، الخصائص (انظر هامش 20) ، ج 2، ص 50 - 51؛ سر صناعة الإعراب، ط 2 تحقيق: حسن هنداوي، دار القلم: شق (1993) ، ج 1، ص 73؛ ابن عصفور، أبو الحسن الإشبيلي، الممتع في التصريف (انظرهامش 20) ، ج 1،ص 322.
(2) 23. حول البنية المقطعية للغة العربية، انظر: أنيس، إبراهيم، الأصوات اللغوية؛ ط 6، مكتبة الأنجلو المصرية: القاهرة (1984) كانتينو، جان، دروس في علم أصوات العربية، ترجمة: صالح القرمادي، تونس (1966) ، ص 191؛ عبد التواب، رمضان، المدخل إلى علم اللغة، مكتبة الخانجي: القاهرة (1980) ، ص 103 - 104؛ عمر، أحمد مختار، دراسة الصوت اللغوي، عالم الكتب، القاهرة (1976) ، ص 257؛ عبد الصبور شاهين، المنهج الصوتي للبنية العربية، مؤسسة الرسالة: بيروت (1980) ، ص 38 - 42.
(3) 24. انظر إسماعيل عمايرة، دراسات لغوية مقارنة (انظر هامش 14) ، ص 228 - 230.
(4) 25. الأندلسي، أبو حيان، البحر المحيط، دار الفكر: بيروت (1983) ، ج 1، ص 30. وانظر أيضًا: ابن جني، التصريف الملوكي (انظر هامش 2) ، ص 92 - 93، 120 - 122؛ سر صناعة الإعراب (انظر هامش 22) ،ج 1،ص 72.
(5) 26. إسماعيل عمايرة، المستشرقون والمناهج اللغوية، ط 3، دار وائل للنشر: عمان (2002) ، ص 143،؛ دراسات لغوية مقارنة، ص 226 - 230؛ فلش، هنري، العربية الفصحى، ترجمة: عبد الصبور شاهين، المطبعة الكاثولكية: بيروت (1966) ، ص 44، كانتينو، جان، دروس في أصوات العربية (انظر هامش 23) ، ص 152؛
(6) 27 . ويقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن القدماء قد أدركوا هذا وقالوا به، يقول ابن عصفور، في الممتع في التصريف (انظر هامش 20) ، ج 1، ص 208:"الضمة بعض الواو، والكسرة بعض الياء، والفتحة بعض الألف". ولكنهم لم يستخدموا ذلك بشكل حاسم عند تناولهم للمسائل الصوتية والصرفية والنحوية. وما زالت العديد من الدراسات العربية في العصر الحديث لا تفرق بين الهمزة كحرف صامت، وبين الفتحة الطويلة كصوت صائت، ولا مجال هنا للتعرض إلى هذه الدراسات فهي كثيرة.