ومُصطلحاتِهِ، إِلا أَنَّنا نَعْثُرُ فيهِ على بابٍ مَضبوطةٍ قواعدُهُ لِنَقْلِ القولِ (المُباشِرِ وغيرِ المُباشِرِ) .
أُريدُ لأَسْأَلَ، بِطريقةٍ ثانِيَةٍ: لِمَ لَمْ يَهْتَمَّ النحاةُ العربُ بِهذا المَبْحَثِ؟ لِمَ لَمْ تَلتَفِتْ عِنايَتُهُمْ إليهِ فَيُفْرِدوا لَهُ بابًا في النحوِ؟ الحقُّ أَنَّنا لم نَكُنْ لِنَتَصَوَّرَ عَدَمَ قِيامِ النحاةِ -أو غيرِهِم مِن علماءِ السلفِ كعُلَماءِ السُّنَّةِ أَو الحديثِ الشريفِ مَثَلًا- بِهذا الصَّنيعِ، لأَنَّهُ يَغدو ضَرورةً مُلِحَّةً، خاصَّةً في ضوءِ ما يَتَّسِمُ بِهِ أَغْلبُ تراثِنا مِن شفاهِيَّةٍ مُقَرَّرَةٍ ليسَ مِن اليسيرِ دَفعُها أو الدِّفاعُ عَنْ ضِدِّها.
وإِنَّ غيبةَ"نَقْلِ الكلامِ"عن أبوابِ النحوِ العربيِّ، لَيُعَزِّزُ صِدْقَ الدَّعْوى القائلةِ بِأَنَّ أَكثَرَ عَمَلِ النحاةِ -لا اللغويّينَ- قد انصَرَفَ إِلى النصوصِ الأَدَبِيَّةِ الفَنِّيَّةِ. ولعلَّ مِن غيرِ المَشْكوكِ فيهِ أَنَّ عمليَّةَ"نَقْلِ الكلامِ"تَتَجَلّى، أَكثر ما تَتَجَلّى، في لُغَةِ الحديثِ اليومِيِّ النفعِيِّ الشفاهِيَّةِ.
وقد يربضُ، ثَمَّ، سببٌ آخَرُ مِن وراءِ عَدَمِ تَوَجُّهِ أَنظارِ النحاةِ تِلقاءَ هذا المَبحثِ، نَقْلِ الكلامِ. فالنحوُ العربيُّ، كالأَنحاءِ التقليديَّةِ جميعِها، قد اعتَنى بِنَحوِ الجملةِ ولم يَتَجاوَزْها إِلى"النصِّ". غيرَ أَنَّ الحادِثَ في"نقلِ الكلامِ"لا جَرَمَ مُتَجاوِزٌ حُدودَ الجملةِ إِلى"النصِّ"، أَجْلَ أَنَّهُ يُعْرَفُ أَو يُعَرَّفُ - أَحْيانًا- بِأَنَّهُ خِطابٌ مُتَّكِئٌ على خِطاب.
ولكنْ ينبغي الاعتِرافُ بِأَنَّ جُلَّ المُقَدَّمِ هنا، رغْمَ كَثْرَةِ تَفريعاتِهِ، وتَعَدُّدِ مَلاحِظِهِ، وجِدَّةِ بعضِ أَنظارِهِ، فَإِنَّهُ لا يَتَعَدّى كونَهُ مَلحوظاتٍ تأْسيسيَّةً وتَعْليقاتٍ تَمْهيديَّةً للمبحثِ المُبْتَغى إنشاؤُهُ. فوُعورةُ المَسْلَكِ قد اضطرَّتْني إِلى أَنْ أَقنعَ مِن الظاهرةِ المَدْروسةِ ببدايةٍ أُحاوِلُ فيها لَمْلَمةَ أَهَمِّ مَظاهِرِ القولِ ومتعلّقاتِهِ فيما استَطَعْنا الوُصولَ إِليهِ مِن كتبِ النحوِ واللغةِ والحديثِ والتفسيرِ. هذه البِدايةُ، في تَصَوُّرِ الباحِثِ الحالِيِّ، هي غايةُ النِّهايةِ.