المستوى اللغويِّ الفصيحِ المُعاصِر. ذلِكُم أَنَّه قَرَّ في أذهانِ أَكثَرِ الناطقينَ بالعربيَّةِ اليومَ مسألةٌ أظنُّها نفسيَّةً، تَتَعَلَّقُ بالازدواجيَّةِ اللغويَّةِ. فمَنظورٌ، لدى هؤلاء، إلى الازدواجيَّةِ على أَنَّها مِمّا"تُعاني"مِنه العربيَّةُ أَشَدَّ المُعاناةِ. ولا تَكادُ حالُ الناطقينَ بِالعربيَّةِ تَضطَرِبُ اضطِرابًا عظيمًا لشأنٍ مِن شؤونِ لغتِهِم اضطرابَهُم في مسألةِ الازدواجيَّةِ هذه. وكانَ طبيعيًّا، بعدُ، أنْ تستَحْوِذَ عليهِم فكرةُ التفاوُتِ"العظيمِ"بينَ المستويينِ اللغويَّيْنِ اللذَيْنِ يَطبَعانِ العربيَّةَ المُعاصِرةَ: اللهجيِّ والفصيحِ. ولذلك تأسَّسَ عندَهُم أَنَّ كلَّ ما هو مستعمَلٌ في اللهجاتِ، فهو لهجيٌّ مَتروك، يَجِبُ هجرانُهُ حالَ الانتِقالِ مِن مستوى الكلامِ اللهجيِّ إلى مستوى الكلامِ الفصيحِ. وبِما أَنَّ اللهجاتِ تستعمِلُ (إِنَّ) بعد فعلِ القولِ - في حدودِ مَسموعاتي-، كانَ لزامًا أنْ يَتَحَوَّلوا عن (إِنّ) إلى قرينتِها الأخرى (أَنَّ) ، ظَنًّا مِنهم أَنَّ (إِنَّ) المُستعمَلَةَ في اللهجاتِ مَلْمَحٌ لهجيٌّ في مَوقِعِها بعدَ القولِ، وأَنَّ الأُخرى المهجورةَ فيها - وهي (أَنَّ) - هي الفصيحة [1] .
أو: توظيفُ"فِعلِ القولِ"لِحِكايةِ"الفعلِ"لا"القولِ"
ليسَ مِن الغريبِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الأصلَ، وربَّما الأَوْلى بل الأكثر، أَنْ يَأْتِيَ فعلُ القولِ في اللغةِ العربيَّةِ لِنقلِ القولِ نقلًا حِكائيًّا، أَيْ بالتزامِ ألفاظِ المَصْدَرِ
(1) . قمينٌ بنا في هذا الموضِعِ أنْ نشيرَ إلى أنَّ اللهجاتِ العربيَّةَ المَحكيَّةَ اليومَ قد استقَرَّت حالُها - فيما يُخَيَّل إليّ- على هجرانِ نقلِ الكلامِ بنصِّهِ الحرفيِّ، اكتفاءً بالنقلِ المضمونيِّ، المُحافِظِ على المعنى الأصليِّ. وبسببِ هذا، فإنَّ أكثرَ المَسموعِ في هذا الصَّددِ لا يَتَجاوَزُ - مَثَلًا:"أحمد حكالي (حكى لي) إنُّه بِدُّه يْزورنا اليوم بعد المغرب"، أو:"قالَت لأبوها إنْها بِدها تْزورنا اليوم بعد المغرب". غيرَ أنَّ الأمرَ بنقلِ الكلامِ قد يأتي بصيغةِ المباشر، كأنْ يقولَ واحدُنا:"احكي لُه إنّي بِدي أزوره/أزورو اليوم بعد المغرب".