المَنقولِ مِنهُ التِزامًا حرفيًّا. ذلكَ أَنَّ مِنْ شِدَّةِ التعالُقِ الذهنيِّ بينَ فعلِ القولِ والدلالةِ على الحكايةِ عندَ العرَب، أَنْ وُظِّفَت تصريفاتُ فعلِ القولِ المختلفةُ لا مِنْ أَجلِ التعبيرِ عمّا نُقِلَ مِنْ كلامٍ نقلًا حكائيًّا لفظيًّا، بل إِنَّها تَجاوَزَتْ هذا ليصِلَ الأمرُ بِها إلى توظيفِها لغرضِ التعبيرِ عن"الحَدَث الفعليّ" [1] أو"الفعلِ الحَرَكيِّ"لا"القولِ"، تعبيرًا يُبرِزُ الفعلَ المُؤَدّى والحركةَ المَأْتِيَّةَ، عبرَ تقليدِ ذلك الفعلِ والإتيانِ بمثلِ تلك الحركة.
بعبارةٍ أُخرى: يُستعمَلُ فعلُ القولِ في العربيَّةِ للتعبيرِ عن الفعلِ، بسببِ ارتباطِ هذا الفعلِ في أذهانِ الناطقينَ بالعربيَّةِ بتأديةِ الكلامِ تأديةً دقيقةً، يُلتزَمُ فيها الإتيانُ بألفاظِ المنقولِ مِنه الأصليَّةِ. فما كانَ مِن الناطقِ بالعربيَّةِ والحالُ هذه، إِلا أَنْ خَطا خطوةً أبعدَ، مُسْتَثْمِرًا ما في فعلِ القول مِنْ طاقةٍ دالَّةٍ، حسبَ الأصلِ، على النقلِ الحرفيِّ للكلامِ، فقامَ بِنَقْلِ فعلِ القولِ مِن دائرةِ التعبيرِ الدَّقيقِ عن الكلامِ - الذي هو"الحكاية"-، إلى دائرةِ التعبيرِ الدَّقيقِ عن الأفعالِ والحَرَكاتِ - الذي هو"المُحاكاةُ"إِنْ جازَ التعبيرُ وشِئْنا التفريق-، وذلِكَ بتقليدِها وتأديتِها كما صَدَرَت مِنْ مُصْدِرِها الأصليِّ الأوَّل، بِالتَّزامُنِ مَعَ النطقِ بفعلِ القول. وهذا مُفهِمٌ بِأَنَّ (قالَ) "الحركيَّةَ"أو"الفعليَّةَ"، يَنطِقُ بها العربيُّ - حسبَ الدلالةِ المقصودةِ هنا- بِحيثُ تَكونُ مُصاحِبةً أو مُلازِمةً لحركةٍ يُؤَدّيها ناقِلًا إيّاها مِن غيرِهِ، أَو فعلٍ يُمَثِّلُهُ آخِذًا إيّاهُ مِن شخصٍ آخر.
وقد جَلّى ابنُ الأثيرِ هذا الأمرَ حينَما قالَ:"العربُ تَجعلُ القولَ عبارةً عَن جميعِ الأفعالِ، وتُطْلِقُهُ على غيرِ الكَلامِ واللسان، فتَقولُ: قالَ بِيَدِهِ أَيْ أَخَذَ، وقالَ"
(1) . يُمكِننا أن نفرّق بين الحَدَث القوليّ (قالَ، تَكلَّمَ، سأل، .. ) ، والحَدَث الذهنيّ (فكر، ظنّ، اعتقد، .. ) ،والحَدَث الفعليّ (كتب، ضرب، مشى، .. ) .