فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 72

المُتَّصِلِ بِاللامِ بحُسبانِهِ مَقولًا لَهُ. وإِن اضطُرِرْنا إِلى الرأيِ الآخَرِ اضطِرارًا لسببٍ مِن التركيبِ لا مِراءَ فيهِ، وهو ما فعلناهُ بآيةِ الأعراف: {قالت أُخراهُم لأولاهُم: رَبَّنا} ، فإِنَّهُ لا يَكونُ إِلا أَنْ يَكونَ المَقولُ عنهُ حاضِرًا المَقامَ الذي قيلَ فيهِ المَقولُ.

نَخْلُصُ مِن السابِقِ إلى القولِ: إِنَّ مُحتَكَمَنا في عَدِّ الطرفِ الثاني مَقولًا"عنهُ"لا"لَهُ"، إِمّا أَنْ يُرَدَّ إِلى الطبيعةِ البنائيَّةِ للمَقولِ نفسِهِ، كما جَرى مِنّا الكلامُ مِرارًا، وَإِمّا إِلى الطبيعةِ الموضوعيَّةِ للمُقتَرِنِ بِاللام. ونَعني بهذا الأخيرِ أَنَّ واقِعَ الأشياءِ ووقائِعَ الأُمورِ مِن حولِنا، تَدفَعُ أَحْيانًا في اتِّجاهِ رفضِ كَوْنِ المُتَّصِلِ بِاللامِ مَقولًا لَهُ.

مَثَلُ هذا قولُ رَبِّنا: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِم آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الذينَ كَفَروا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ: هذا سِحْرٌ مُبين} [1] . فإِنَّ طبيعةَ الأشياءِ لَمّا كانت تقضي بأنَّ الذينَ كَفَروا يَتَحَلَّوْنَ بالقدرةِ على إِنْشاءِ القولِ وبَثِّهِ، ومِن ثَمَّ الحكم عليهِم بِكَوْنِهِم هم القائلين في الآية، فإِنَّها ليست تَقضي على"الحقِّ"الذي جاءَهُم بِأَنَّهُ مَقولٌ لَهُ. فلو عَرَفْتَ أَنَّ المُرادَ بِالحَقِّ في الآيةِ إِنَّما هُوَ الكِتابُ المُنَزَّلُ على رسولِ اللهِ - صَلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-، أو ما جاءَ بِهِ مِن المعجزاتِ الظاهراتِ [2] ، لأَدْرَكْتَ عَدَمَ إِمْكانِ أَحَدٍ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُ - أي الحَقّ- مُحاوِرًا يَستقبِلُ الرِّسالَةَ اللغوِيَّةَ وينفعِلُ بِها كما لو كانَ بَشَرًا.

وما دامت الآيةُ الأخيرةُ خلوًا مِن مَقولٍ لَهُ - وإِنْ ظاهِرًا-، فإِنَّ مِن الطبيعِيِّ النَّأيَ بِاللامِ فيها عن دلالةِ المُشافَهَة والتَّبْليغِ، والاقترابَ بِها مِن دلالةِ (عن) . وتَقديرُ الآيةِ: إِذا تُتْلى عَلَيْهِم آياتُنا قالَ الذينَ كَفَروا عن الحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ: هذا سِحْرٌ مُبين. ولتُلاحِظْ أَنَّ ما تَقَرَّرَ سابِقًا مِنْ ضَرورةِ وجودِ المَقولِ عنهُ في المَوقفِ الكلاميِّ، تَتَجَلّى صِحَّتُهُ في هذه الآيةِ كذلك. وعلامَةُ هذا اسم الإشارةِ

(1) . الأحقاف 46: 7. وانظر سبأ 34: 43.

(2) . انظر: الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: 28/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت