فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 72

كلامَ اليهودِيِّ مُتَصَرَّفًا فيهِ، بِتَحْويلِ الضميرَيْنِ (أنتم) و (هُمْ) [1] مِن المَوْقِفِ الأصليِّ إِلى (هؤلاءِ) و (الذين آمَنوا) - على التوالي- في الكلامِ المَنقولِ (الآية) . ولا تُتَصَوَّرُ صِحَّةُ القولِ بِأَنَّ هذا المَقولَ مُبْقىً عَلَيْهِ كَما صَدَرَ مِن اليهودِيِّ، لأنَّ فيهِ ما يُعاكِسُ الحُكْمَ الذي أَطْلَقَهُ. فإِذا كانَ مَحكِيًّا حِكايةً، فكيفَ يَحْكُمُ اليهوديُّ على كُفّارِ مَكَّةَ بِأَنَّهُم الأَهْدى، ثُمَّ يَنْعَتُ محمدًا وأصحابَهُ بِالإيمانِ (الذينَ آمَنوا) ؟ إِنَّما هو الوصفُ الحقُّ مِن الحقِّ. فقد يَكونُ أَنَّ اللهَ بِتَحويلِ ضميرِ المخاطَبينَ (أنتم) إِلى ضميرِ الغائبينَ (هؤلاء) قَصَدَ - عزَّ اسمُهُ- إِلى أَنْ"يُبَعِّدَهُم"أي الكافرينَ، وهم المُبْعَدونَ مِن رحمةِ اللهِ، ويُبَعِّدَ معهم كلامَ اليهودِ وحكمَهُم على الرسولِ وأتباعِهِ، وهو بعيدٌ عن الصوابِ فيما يَعْلَمونَ في قرارةِ أنفسِهِم.

غيرَ أَنَّ نفسي تشتهي توجيهَ الكلامِ في الآيةِ العزيزةِ وجهةً أُخرى، لا تُخرِجُهُ مَرَّةً أُخرى عن المَعهودِ مِن القولِ، ولا تُخْرِجُ المُتَّصِلَ بِاللامِ عن طبيعتِهِ الأصليَّةِ في كونِهِ مَقولًا لَهُ، وهذا أَسْلَمُ. فالذينَ أوتوا نَصيبًا مِن الكِتابِ يُؤْمِنونَ بِالجِبْتِ والطاغوتِ هم القائِلونَ، والذينَ كَفَروا هم المَقولُ لَهُم، والضميرُ الإشاريُّ (هؤلاء) لا يَعودُ إِلى (الذينَ كَفَروا) ، بل إِلى"الجِبتِ والطاغوتِ"، وهما"اسمانِ لكلِّ مُعَظَّمٍ بِعِبادةٍ مِن دونِ اللهِ" [2] ، وبذا عنى القائِلونَ بِ"الذينَ آمَنوا": الذينَ آمَنوا بِمُحَمَّدٍ. فكأَنَّ أولئك اليهودَ - عليهِم لعائنُ اللهِ- قد ذَهَبوا إِلى أَبعدَ مِنْ مُرادِ الكُفّارِ مِن سؤالِهِم، فأجابوهُم بِما لم يَخطرْ في بالِهِم. فقد قالَ اليهودُ: إِنَّ الأصنامَ (أو الجِبْت والطاغوت) أَهدى مِن الذينَ آمَنوا بِمُحَمَّدٍ.

صَفْوَةُ المَقالِ أَنَّ ما قيلَ إِنَّهُ مَقولٌ عنهُ بعدَ اللامِ التي تَلي فعلَ القولِ (قالَ لِ+مَقول عنه) ، الأَكثر والأَولى أَنْ يُرَدَّ إِلى بنيةِ القولِ المعتادَة، بِأَنْ يُنظَرَ إِلى

(1) . أو (محمد وأصحابه) .

(2) . الطبريّ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 5/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت