عنهُمْ كما تَقولونَ:"لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا"، لأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ أَعْلَمُ بِما تجِنُّهُ أَنفُسُهُم، وإِنّي إذا فَعَلْتُ ذلِكَ أَوْ قُلْتُهُ كُنْتُ مِن الظالِمينَ.
4 -وثمَّةَ آيَةٌ يَسْتَعْلي في أَمْرِها هذا الذي بِهِ نَقولُ، هي قولُهُ: {أَلَمْ تَرَ إِلى الذينَ أوتوا نَصيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنونَ بِالجِبْتِ والطاغوتِ وَيَقولونَ لِلَّذينَ كَفَروا هؤلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذينَ آمَنوا سَبيلا} [1] . إِذ يبدو مِن النظَرِ الأَوَّلِيِّ أَنَّ اللامَ فيها بِمعنى (عن) ، لأَنَّها لو كانت الأخرى لقالَ: (أنتم أَهْدى ... ) . إِلا أَنَّ رواياتِ سببِ النزولِ تُجْمِعُ أَجْمَعُها على أَنَّ الكافِرينَ كانوا حاضِرينَ المَوقفَ الذي قيلَ فيهِ:"هؤلاءِ أَهْدى ...". بل إِنَّ تلك الرِّواياتِ مُتَّفِقَةٌ على أَنَّ الذينَ أوتوا نَصيبًا مِن الكِتاب، وهم اليهود، وَجَّهوا كلامَهُمْ إِلى كُفّارِ قريش بصيغةِ الخِطاب:"أنتم أَهْدى ...".
تَقولُ الرِّواياتُ: إِنَّ أَحَدَ أحبارِ اليَهودِ، هو حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ أَو كَعْبُ بنُ الأَشْرفِ، لَمّا قَدِمَ مَكَّة طَلَبَ إِلَيْهِ المُشْرِكونَ - لِكَوْنِهِ صاحِبَ كتابٍ- أَنْ يَحْكُمَ بينَهُم وبينَ مُحَمَّدٍ، فجاءَ حُكْمُهُ لِصالِحِ المُشرِكينَ، فخاطَبَهُمْ قائِلًا:"أنتم - واللهِ- خيرٌ مِنْهُ" [2] ، أو"أنتم -واللهِ- أَهْدى سبيلًا مِمّا عَلَيْهِ محمد وأَصحابُهُ" [3] ، فأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ. ومِن الواضِحِ أَنَّ الآيةَ الكريمةَ قد وَضَعَتْ (الذينَ كَفَروا) مَوْضِعَ المَقولِ عنهُ، رغْمَ أَنَّهُمْ - طبقًا للرواياتِ- مَقولٌ لَهُم، وقد جَمَعَهُم والقائِلَ موقفٌ واحِدٌ.
وإِذا تَأَمَّلْنا مَرَّةً أُخْرى موطنَ الشاهِدِ مِن الآيةِ المَدْروسَةِ، وَجَدْناها مُتَفَرِّدَةً عن كلِّ سابِقاتِها مِن جِهَةِ خُروجِ مَقولِ القولِ فيها مِن المَحكِيِّ إِلى الإخبارِيِّ هونًا ما:"هؤلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذينَ آمَنوا سَبيلا". فقد يُقالُ: إِنَّ مولانا - سبحانَهُ- نقَلَ لَنا
(1) . النساء 4: 51.
(2) . الطبريّ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 5/ 134.
(3) . البغويّ، تفسير البغوي: 1/ 441.